الرئيسية / WhatsApp / مع صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال.. بمناسبة عيد ميلاده

مع صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال.. بمناسبة عيد ميلاده

mncعبدالله كنعان

صباح الخير سيدي.
تعودت بمناسبة ذكرى مولدكم الكريم الذي صادف أمس، مع أجمل وأحلى عيد في الدنيا؛ عيد الأم الذي يحل اليوم، أن أبعث لسموكم برسالة تهنئة، أخط فيها ما يجول بخاطري والخواطر كثيرة. فصحبة تزيد على ثلاثين عاماً، لا نفترق فيها إلا مساءً أو قرب منتصف الليل عملاً متواصلاً، وحتى عند الإجازات أو المغادرات خارج البلاد، كنتم سموكم على اتصال مع العاملين بمعيتكم وأنا أحدهم؛ كل هذه السنين مليئة بما تحويه من قصص وذكريات، حلوها ومرها.. تشكل في مجموعها قصة حب لتراب الأردن وسمائه وجباله وهضابه.
فقد تعلمنا من سموكم، كيف يكون حب الوطن، وكيف يترجم إلى أفعال. إذ لمسنا كيف تحب الأردن فأحببناه؛ وكيف تحب أهل الأردن، شماله وجنوبه وشرقه وغربه، فأحببناه؛ وكيف تحب الإخلاص والوفاء للعرش، فأحببناه.
ومن قصص الحب هنا وهناك، نستذكر كيف كنتم، يا سيدي، تقفون إلى جانب شقيقكم الحسين الباني رحمه الله، وقوف الابن إلى جانب والده، والأخ إلى جانب شقيقه، والتلميذ إلى جانب معلمه. كنتم، يا سيدي، مع حبيب الأردن وأهله رحمه الله، مخلصاً وفياً، وركناً رئيساً في بناء الأردن والمحافظة على أمنه واستقراره على عرشه ونظامه، فلم يكن ليغمض لكم جفن إلا وقد شعرتم بأنكم أنجزتم شيئاً يساعد الحسين على تأدية رسالته في خدمة الأردن والعرب، وعلى رأس ذلك فلسطين والقدس، والعمل على تحريرها.
سيدي، لقد كنتُ وكل الزملاء والزميلات، نرقب تضحياتكم وإخلاصكم وتفانيكم. كيف لا، ونحن نذكر بُعد نظركم وقوة بصركم وبصيرتكم، واستشرافكم للمستقبل.
فقد كنتم وما زلتم أميراً عربياً قرشياً هاشمياً، أميراً وطنياً وإنسانياً، أمير الفكر والكلمة الهادفة، أمير المواقف المشرفة، لا يهادن ولا يساوم ولا ينافق، جريئاً صادقاً في قول الحق لا يساوم على القضايا الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية.
ولم لا تكون كذلك سيدي وقد كنتم في مدرسة الحسين رحمه الله؛ ذلك الملك الإنسان الذي شهد له العالم أجمع بأنه يشكل نموذجاً سياسياً ودبلوماسياً فريداً في عالمنا المعاصر، مدرسة لو قدر لها أن تشق طريقها كما أرادت، لما وجدنا وطننا العربي بكل دوله ومكوناته يعيش في حالة صراع وتشرذم بلغت حد الاحتراب الطائفي والعرقي والقبلي والعشائري والمذهبي.
وفي ظل ما عليه أمتنا، دعوتم سموكم لاعتماد الشورى وتساءلتم: “إذا كانت الأمم الغابرة في الماضي السحيق تمسكت بالشورى وقادتها إلى سمو الرأي ورشد الممارسة، فما بالنا اليوم نتخلى عنها؟ وإذا كان الأمر شورى بيننا نحن أهل السُنة والجماعة وشيعة أهل البيت، والأباضية وغيرهم الذين يشكلون مع بعضهم المذاهب الإسلامية السبعة، فلماذا نختلف ولا نأتلف؟”.
فالشورى تعزز قيمة الحوار وتقارب وجهات النظر، وتصنع إطاراً مناسباً لاستيعاب الاختلافات المذهبية التي ما جاءت إلا رحمة للأمة، أو هكذا ينبغي أن تكون. بغية احترام التنوع والتعددية التي قامت عليها الحضارة الإسلامية منذ نشأتها الأولى في عهد الرسالة والدعوة المحمدية.
ولا يفوتني سيدي إلا أن استذكر الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون العالمية التي منحتكم جائزة التسامح للعام 2014، في مدينة كولونيا غرب ألمانيا؛ تقديراً لجهودكم المتواصلة في تعزيز قيم التسامح الإنساني وقبول الآخر والمشتركات الكونية، وتثميناً لإسهاماتكم الكبيرة والتزامكم بتعميق الفهم والتفاهم المتبادل بين الأمم والشعوب.
وأذكر عندما تسلم سموكم جائزة “ابن رشد الدولية” أنكم قلتم: “إن استحضار ابن رشد اليوم هو من أجل المساهمة في تجديد الثقافة العربية الإسلامية من الداخل، لمواجهة دعوات التكفير والانغلاق والتزمت والإقصاء التي تفرق ولا توحد”.
نعم سيدي، لقد رحل الحسين بعد أن سلم القيادة إلى جلالة الملك عبدالله الثاني الذي تخرج من هذه المدرسة. ونحن نراه يعمل جاهداً، بكل جدارة وبراعة وحنكة، وخلف قيادته شعب يلتف حوله ويقف إلى جانبه لخدمة الأردن والحفاظ عليه، وعلى أمنه واستقراره، في ظل وضع عربي يعيش الفوضى الخلاقة المبشرين بها منذ سنوات. فليحفظه الله ويرعاه.
سيدي سمو الأمير، لا يتسع المجال للشرح وذكر كل شيء من خلال قصة الحب التي ذكرتها. إلا أنني أستذكر من تطلعاتكم وشهادة الكثيرين من الكبار في هذا العالم، أنكم صاحب رؤية وفكر وعلم؛ على مستوى عربي ودولي، يحلم بأن يكون الأردن سنغافورة الشرق مثل بقية دول العالم المتقدم.
سيدي، إن ما آلت إليه أمتنا من المحيط إلى الخليج، وحروبها بعضها مع بعض، يجعلنا نستذكر كيف كان استشرافكم للمستقبل كبيراً، فدعوتم إلى تأسيس “منظمة للأمن والتعاون الإقليمي”، على غرار منظمة “الأمن والتعاون الأوروبي” التي انتهت إلى ولادة الاتحاد الأوروبي بمؤسساته التشريعية والتنظيمية، والذي يضم حالياً 28 دولة عضواً، من بينها دول من أوروبا الشرقية التي كانت أعضاء في “حلف وارسو” بزعامة الاتحاد السوفييتي آنذاك. كما دعوتم سموكم لإنشاء محكمة عربية للفصل في النزاعات العربية – العربية، بعيداً عن تدخل القوى الدولية والإقليمية ذات الأجندات الخاصة، المرتبطة بمصالحها الحيوية الدولية والإقليمية؛ وأخرى محكمة جنائية على غرار المحكمة الجنائية الدولية، تُعني بالتحقيق والفصل في مسائل اختراقات حقوق الإنسان العربي ومحاكمة منتهكيها بهذا الشكل أو ذاك.
وكذلك دعوات سموكم المتكررة إلى ضرورة اعتماد الحاكمية الرشيدة أسلوباً للحكم، وتصالح الحكام العرب والمسلمين مع شعوبهم؛ فهذا هو النهج الوحيد الكفيل بتأمين الاستقرار السياسي والأمني للأنظمة السياسية العربية كيانات وشعوباً، حاضراً ومستقبلاً.
وكم طالبتم بـ”ضرورة أن نخطط لأنفسنا قبل أن يخطط لنا”؛ إذ جاء الواقع العربي الذي نعيش منذ احتلال العراق، مصداقاً لتخوفات وتحذيرات سموكم.
ولا يفوتني أن أذكر سعيكم بتشكيل لجنة من أجل تطوير التعليم، بغية انتهاج سياسة تربوية تعليمية لا تسهم بتمكيننا من اللحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي حسب، بل تشكل تحصيناً لمجتمعاتنا العربية ولشبابنا من الغلو والتطرف اللذين باتا ينخران مجتمعاتنا العربية بالقتل على الاسم والهوية.
وكم حاولتم، سيدي، من أجل تحقيق التكافل والتضامن المجتمعي؛ فدعوتم منذ أكثر من عقدين، وما زلتم، لإنشاء صندوق عالمي للزكاة، يسهم برفع المستوى المعيشي للفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويحصن المجتمع مما عرف في الأدبيات السياسية بالصراع الطبقي.
فلو أنشئ هذا الصندوق، لن تجد فقيراً أو محتاجاً في أي من العالمين العربي والإسلامي على الإطلاق، ولأصبح التآخي بين الناس عنوان المحبة والوئام، إلى جانب بعده السياسي الذي يخلص أمتنا من التبعية والحاجة إلى الآخرين.
وكم مرة ومرة استذكرتم، سيدي، قول أخيكم الحسين رحمه الله “فلنبن هذا البلد ولنخدم هذه الأمة”، لتكون عنواناً لتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة التي كانت شعار عملكم ونهجكم. وكم أكدتم على تغليب صوت العقل والحكمة، لتجنيب المنطقة الكثير من الأزمات، وأهمية العمل المشترك من أجل بناء نظام إنساني يؤكد حق الحياة الكريمة للإنسان، ويحقق الأمن ويعزز الاستقرار للأجيال القادمة.
ودعوتم سموكم إلى التركيز على المعاني والمعايير الإنسانية المشتركة التي وردت في الديانات السماوية، وتأكيد قيمة التضامن الإنساني التي يجب أن نلتزم بها جميعاً، وجعل الكرامة الإنسانية تتقدم جهود التنمية كافة، لما لها من أثر في الأمن والاستقرار.
سيدي، نشعر معكم بالألم الذي يساوركم نتيجة الفرقة والهوان الذي يمر بأمتنا، وما تشعرون به من ألم وعذاب ومرارة.
ونستذكر قولكم تعبيراً عن الحسرة: “مع شديد الأسف نحن العرب لسنا بحاجة إلى أعداء؛ نحن خصوم بعضنا البعض مدى التاريخ المعاصر”.
وتعبيراً عن الحزن الشديد الذي يملأ صدركم، دعوتم سيدي في اجتماع دولي لتوسيع أهداف القانون الدولي لتشمل قانوناً للسلام، يشتمل على مجموعة قوانين ترتبط مباشرة برفاهية الإنسان واستقراره، وذكرتم: “نحن نقضي كثيراً من وقتنا في مناقشة طريقة شن الحروب، بينما نحتاج الآن وأكثر من أي وقت مضى، للحديث عن كيفية صنع السلام”.
ومن أجل بناء ثقافة السلام، دعوتم لبناء الفكر المعاصر والانفتاح الفكري وانتهاج الوسطية والاعتدال والتسامح، بدلاً من الانعزال والتعصب والانغلاق والتمترس خلف أفكار لم تعد تصلح لعصرنا. وبالتالي، تمهيد البيئة الصالحة لبناء ثقافة السلام المشترك بين مختلف الأطياف والتيارات والفئات والجماعات.
أما القضية الفلسطينية، والقدس لب القضية، فقد بُحّ صوتكم وأنتم تنادون إلى ضرورة توحد الدول العربية حول القضية، وهي  جوهر الصراع الإسرائيلي-العربي، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بما يجبر إسرائيل على الإذعان لإرادة المجتمع الدولي بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والقدس في مقدمتها، تمهيداً للوصول إلى سلام عادل ودائم وشامل، قوامه قيام دولة فلسطينية، عاصمتها الشطر الشرقي من القدس.
وكم حذرتم من مخاطر سياسة إسرائيل التهويدية، السلطة القائمة بالاحتلال، وأخطرها الاستيطان الذي أطلق عليه سموكم الاستعمار الإحلالي للأراضي العربية المحتلة، وبخاصة القدس المحتلة، بهدف فرض سياسة الأمر الواقع على العرب بعامة، والفلسطينيين بخاصة. فكنتم السباقين بالتدليل على ذلك من خلال توجيهكم بوضع خريطة لفلسطين بأكملها في مكتبكم، تؤشر على التطور الاستيطاني الاستعماري الإحلالي لسلطات الاحتلال، بدءاً من إنشاء أول مستعمرة استيطانية إحلالية في القدس، والتي أخذت تلتهم الجزء الأعظم من الأراضي العربية المحتلة، وبخاصة في الشطر الشرقي من القدس، بما حفز الإخوة من المسؤولين الفلسطينيين، وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات لدى إطلاعكم إياه أثناء إحدى زياراته لعمان. ونصيحتكم المفاوضين العرب بعامة، والفلسطينيين بخاصة، من مخاطر تأجيل قضية القدس إلى مفاوضات الوضع النهائي. وتشديدكم، سيدي، على وجوب أن تكون على رأس قائمة جدول أعمال مفاوضاتهم مع إسرائيل.
ولكن، ما من أذن صاغية؛ فكانت الطامة الكبرى أن عززت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، من وجودها الاستيطاني الاستعماري الإحلالي في القدس وباقي الضفة الغربية، كما نراه ونشاهده الآن.
أما محاولات الدس والايقاع بين أبناء الأردن، فقد استطعتم سموكم وأدها في مهدها في ضوء توجيهات جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه، لتعزيز اللحمة الوطنية بين مختلف مكونات الشعب العربي في الأردن وفلسطين، وبخاصة التعايش الإسلامي المسيحي، وقيادتكم لحوار المذاهب والأديان، وحضوركم الدائم في جميع المحافل والفعاليات ذات الصلة بتعايش أتباع الرسالات السماوية الثلاث. وتأكيدكم المتكرر على أهمية رسالة عمان التي رعاها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، والتي ظللتم تشددون على ضرورة نشرها على أوسع نطاق عالمي، بما يدفع تهمة الإرهاب الظالمة التي يحاول أعداء الإسلام إلصقها به.
أجل، لم يبق لي سوى أن أؤكد مجدداً أن الحديث بمناسبة ذكرى مولدكم الكريم يطول ويطول. ولن يكون بمقدوري، ولا غيري، الإحاطة بكل ما تحويه شخصيتكم الموسوعية فكراً ومنهجاً سياسياً وطنياً وعربياً وإسلامياً، والتي لا يتسع المقام لذكرها.
ختاماً، لكم سيدي، وللعائلة الكريمة، وللأسرة الهاشمية وراعيها وحامي مسيرة شعبنا الأردني العظيم، جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، خالص المحبة والإجلال والتقدير. وكل عام وأنتم جميعاً بألف خير.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مؤتمر صحفي لوزيريّ الإعلام والماليّة اليوم الإثنين

ميديا نيوز – يعقد وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمّد المومني ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: