الرئيسية / WhatsApp / عميد الشيشان الراحل يتحدث بآخر مقابلة عن ذكريات الهجرة وعمان

عميد الشيشان الراحل يتحدث بآخر مقابلة عن ذكريات الهجرة وعمان

جمّو: عمّان زمان أفضل بـ 100 مرّة من اليوم

حاوره: عمر العرموطي * 

عمان- قبل سنة واحدة من وفاته أجريتُ مقابلة مع المرحوم الشيخ عبد الباقي جمّو، في منزله بمدينة الزرقاء وقد حضر المقابلة السفير بدر الدين بينو والسيد سامر شهوان، علماً بأنني لم أقم بنشر هذه المقابلة في حينه، وقد ادخرت هذه المقابلة كي أنشرها بالوقت المناسب، وأعتقد بأنه حان الوقت لنشر هذه المقابلة حتى يستفيد منها القارئ الكريم.

الشيخ عبد الباقي جمو كان زعيماً لعشائر الشيشان في الأردن التي تعتبر جزءاً مهماً من الأسرة الأردنية الواحدة، وهو من الأعلام المعروفة ومن الرموز السياسية والدينية الفعّالة وله تاريخ حافل بالعطاء والتفاني في خدمة الأردن والقيادة الهاشمية، وكان له باع طويل بالعمل التطوعي والاجتماعي والخيري، وكان يترأس الجاهات والعطوات لحل مشاكل الناس وإصلاح ذات البين وإحلال المحبة والوئام بدلاً من الخصومة والشقاق والنزاع، وكان من الشخصيات المحبوبة لدى أهله وربعه الشيشان الذين أحبّوه وكانوا يكنّون له الاحترام والتقدير.

كان- رحمه الله- من رموز مدينة الزرقاء والعاصمة عمان، وقد شغل منصب نائب في مجلس النواب وكان عضواً في مجلس الأعيان لعدة عقود، كما شغل مناصب وزارية في الحكومات الأردنية وهو برلماني مخضرم ومن الزعامات المعروفة في الأردن والشيشان والعالم العربي.

والعشائر الأردنية تعرف جيداً هذا الشيخ الجليل لأنه كان دائم التواصل معهم ومعروفاً ومحبباً لديهم. أما بالنسبة للعاصمة عمان فقد كان الشيخ الجليل جزءاً من تاريخها ومُواكباً للنقلة الحضارية المتسارعة ومُعاصراً للقديم والحديث وشاهداً على تاريخ عمان المعاصر والحديث. وكان المرحوم جمّو يتمتع باحترام الملوك الهاشميين وآل البيت الكرام والحكومات الأردنية المتعاقبة، وأهالي عمان، وقد انتقل الشيخ عبد الباقي جمّو إلى رحمته تعالى عام 2016.  ومن الجدير بالذكر بأنه قد طُلب منه رسمياً استلام السلطة بجمهورية شيشان أنجوش، لكنه أصرّ على البقاء بالأردن، وقد عُين وزيراً للشؤون البرلمانية، وكذلك شغل منصب وزير دولة للشؤون القانونية والبرلمانية.
في هذه المقابلة التي لم تنشر من قبل سوف نستمع لآراء قيمة ومشاهد مهمة من حياة الشيخ جمو نطرحها على شكل نقاط للقارئ الكريم.

مرحلة الطفولة والنشأة:

قال المرحوم جمو: ولدت في مدينة الزرقاء بتشرين الثاني (نوفمبر) 1922، وقد درست بالكّتاب عند الحاج الشيخ أحمد الرفاعي بالزرقاء، وكذلك عند الشيخ محمد معصوم (شيشاني)، حيث درست القرآن الكريم والدين الإسلامي واللغة العربية مع الآخرين، وتعلمت منهم مبادئ الدين واللغة العربية، والذي تعلمته منهم باللغة العربية إذا ما قارنته بالوقت الحالي فإنني أعتقد بأنه يعادل مستوى علمائنا اليوم، لأن اللغة العربية تعتبر من أوسع اللغات، فالكلمة الواحدة لها عدة معانٍ، والحركة عليها تقوم بتغيير المعنى، ولأن التقديم والتأخير يوقع خطأ كبيراً بالجملة وكذلك فيما يتعلق بالعطف. ومتى يشتركان ومتى يفترقان، ومتى تأتي الإضافة، وهذه الأمور حاولت أن أتحدث عنها بالتلفزيون والإذاعة والصحف وقد ختمت القرآن الكريم بعد بلوغي سن الثانية عشرة لأنه عندما كنت أبلغ من العمر 14 سنة كنت أحفظ فقه الشافعي وأقرأ ما يتعلق بالطهارة وحتى النهاية. الجميع كان يحاول أن يتعلم آنذاك، علماً بأنهم كانوا في ذلك الوقت يجبروني بأن أصلّي بالناس إماماً، وتعوّدت عندما كنت طالباً بأن يطلبوا مني أن أصلّي إماماً بالناس.
ولما كان عمري 15 سنة أو دون ذلك أذكر أن أحد الشيوخ واسمه أحمد الرفاعي من حوران شهد لي أمام الناس، حيث قال بأن لدى عبد الباقي جمّو القدرة على الخطابة وهذه شهادة أعتز بها من أستاذي. وأنا أرى بأن الصلاة عبارة عن التزام ولها أركان وفيها سنن وقواعد معروفة، والخطأ في القراءة بالصلاة خطأ كبير، فإذا أخطأ الخطيبُ هنا فإن هذا الخطأ يؤدي إلى تغيير المعنى. وأنا أرى بأن بعض الأئمة الذين تعينهم وزارة الأوقاف بحاجة إلى تأهيل أكبر ودورات إضافية باللغة العربية والشريعة الإسلامية، فبعضهم (وأكرر بعضهم) لا يفرقون بين النّصب، والرفع والجر والعطف، والمعطوف والمبتدأ والخبر، وإن وأسمائها، وكان وأخواتها.

الدراسة بالمرحلة الابتدائية

درست المرحلة الابتدائية بمدرسة الزرقاء الابتدائية التي تقع عند مسجد الشيشان وكان أول مدير لها هو المرحوم الأستاذ خليل الساكت (والد معالي الدكتور بسام الساكت)، وهو أول معلم ألتقي به بالمدرسة، وعندما دخلتها كان عمري آنذاك خمس سنوات، وأتذكر بأن هذه المدرسة كان فيها عدد قليل من الطلاب، وأتذكر من الأساتذة المرحوم معالي صلاح طوقان، وقد اجتمعنا فيما بعد من خلال عملنا بمجلس النواب، وأتذكر بأنه قال لي: أنت لغتك قوية لأنني كنت أستاذك، فقلت له باللغة العامية (يا ريت تعلّمني مثل ما علّمتني)!
كما أتذكر أستاذا آخر واسمه سعيد الخطيب، وهو من أصل لبناني وأتذكر من زملاء الدراسة: عبد المجيد عبد الرحمن، عبد اللطيف عبد المطلب، سعيد العكلوك، وفخري العكلوك.
وبعد أن درست بهذه المدرسة صار عندنا مشكلة بالزرقاء بين المعلم وكبار السنّ، علماً بأن كبار السن من الشيشان ومنهم والدي قال لي ما بدّي تروح للمدرسة، فقد ظهر آنذاك خلاف بين المعلم وبينهم حيث كانوا جزءاً من هذا الخلاف.
ذهبت إلى بلدة صويلح وكانت حينذاك من ضواحي عمان إلى مدرسة النادي القوقازي، ودرست بها علماً بأنني لم أتمم الدراسة فيها، فأتممت دراستي بمدرسة الزرقاء حتى الصف السابع.

الدراسة بجامعة الأزهر بالقاهرة

بعد ذلك ذهبت للدراسة بجامعة الأزهر بالقاهرة، علماً بأن الدراسة هناك تحتاج إلى شهادة الثانوية العامة، ويتم القبول بها عن طريق الامتحان، حيث تستقبلك اللجنة التي كانت تتكون من أربعة أشخاص ولديهم صلاحيات بأن يمنحوك الدراسة التي تستحقها وأن تلتحق بالسنة الأولى أو الثانية أو الثالثة. وبعد أن قاموا بامتحاني سألوني وقالوا لي بالعامية “ليش جاي؟!”، وقالوا لي “وين درست؟”. قلت لهم بمدينة الزرقاء. قالوا هل تعني بأنك درست بجامعة الزرقاء! ولم أكد أن أنهي كلامي وأقول لهم بأن الزرقاء ليست جامعة، فإذا بي أراهم يتشاورون وقالوا لي لو أن لدينا صلاحية فإننا سوف نقبلك بالسنة الرابعة وكان عمري آنذاك 25 سنة.

وبدأوا يسألوني بأسئلة عادية أعتبرها بسيطة جدا وهي أسئلة تحديد مستوى من أجل أن يقوموا بتقييمي، وقد أكملت الدراسة بجامعة الأزهر لمدة سنتين بالمراسلة، وأتممت دراستي كمعلم يقوم بالتحضير لدرجة شهادة تعادل رسالة الدكتوراة. أول شهادة حصلت عليها بكالوريوس بالشريعة، ومن المفترض بالشخص الذي يدرس الشريعة بأن يكون متمكناً باللغة العربية، وأن يكون معدله مرتفعاً جداً، والدراسة بالشريعة تستلزم بأن يدرس الطالب بكلية الشريعة ليصبح متمكناً باللغة العربية والشريعة.

الشهادة الثانية التي حصلت عليها هي ماجستير بالشريعة دراسات عليا. أما الثالثة فهي أعلى شهادة بالجامعة، وكنت أذهب أزور الجامعة بين فترة وأخرى.

بداية الحياة العملية

كنت مسؤولاً عن مساجد الزرقاء والمفرق بوزارة الأوقاف ورئيس لجنة توجيه الجهات التي تقوم بفحص الخطباء والأئمة بالزرقاء والمفرق. أتذكر أن مدينة الزرقاء كان فيها 4-5 مساجد بينما فيها الآن حوالي 500 مسجد، كنت آنذاك أقوم بدور الإشراف والتوجيه، وفي كل يوم جمعة كنت ألقي الخطب بالمسجد، وحتى تَعُمّ الفائدة فيما يتعلق بالخطابة، وللأمانة فلم أشعر في حياتي ولو مرة واحدة بأنني أفضل من غيري، ولا أعلم منهم لأن كل إنسان عالم بما يعلم.
الزي الشيشاني الذي أرتديه أو الملابس الشيشانية ورثتها عن الآباء والأجداد منذ اليوم الذي اعتنقوا فيه الإسلام.

 من عمان إلى “النواب”

أصبحت عضواً في مجلس النواب عن عمان، أتذكر بأنني نجحت بالانتخابات النيابية وقد تم الإعلان عن نتائج الانتخابات عام 1956، وقد نزلت بكتلة: الشيخ محمد منور الحديد، معالي وصفي ميرزا، معالي سليم البخيت…. وغيرهم.

كنا نزور الناس بعمان في مضافاتهم على سبيل المثال: مضافة الشيخ فلاح العابد الدعجة في جبل الهاشمي، ومضافة الشيخ نزال العرموطي في جبل نزال، وهما اللذان حضرا درساً لي في المسجد الحسيني الكبير، ودخلت لديوانهما في بداية الحملة الانتخابية، ودعماني وآزراني حتى النهاية، وقد لعبا دوراً كبيراً في نجاحي بالانتخابات النيابية. كنت آنذاك قليل الخبرة بالمجال البرلماني وأجهل موضوع الانتخابات لكن الشيخ نزال العرموطي والشيخ محمد منور الحديد والشيخ فلاح العابد الدعجة اصطحبوني معهم في جولاتهم على دواوين وعشائر وعائلات عمان، علماً بأن الدائرة الانتخابية في عمان تشمل أيضاً ناعور ومادبا ووادي السير وكل مناطق عمان، وللأمانة فإن هؤلاء الشيوخ الأفاضل الذين ذكرتهم لم يفارقوني أبداً وكانوا يسيرون معي من منطقة إلى أخرى ومن جبل إلى جبل ومن ديوان لديوان، علماً بأنني آنذاك لم أكن أعرف الناس في عمان كما هو الحال الآن، لكن هؤلاء الشيوخ الكرام من خلال معرفتهم بالناس فتحوا الطريق أمامي.

الحمد لله فقد فزت بالانتخابات النيابية بأربع دورات انتخابية كان آخرها العام 1989، وبعد ذلك تم تعييني وزيراً للشؤون البرلمانية بحكومة مضر بدران العام 1990، والحقيبة الثانية حصلت عليها بعد تعديل وزاري فأصبحت وزيراً للشؤون القانونية والبرلمانية.

تأسيس عدد من المدارس

قمت والحمد لله بتأسيس عدد من المدارس كما اشتركت بتأسيس جامعة الزرقاء علماً بأنني أسست مدارس صلاح الدين الأيوبي العام 1948م بالزرقاء من أجل استقبال أبناء اللاجئين الفلسطينيين حيث كان يدرس في هذه المدرسة 363 طالباً لم يكن من بينهم من الأردن إلا ابني المرحوم محمد هارون، وقد تخرّج من هؤلاء الطلاب دكاترة ومهندسون واستمرت علاقاتهم جيدة معي، وكنا نُقدّم لهم وجبات الفطور والغداء حيث كنا نقدم لهم ما يسمونه عندنا بالكسوة الصيفية والشتوية، والكتب والقرطاسية، وكانت هذه المدرسة في البداية ابتدائية ووصلت فيما بعد إلى ثانوية عامة، وقمنا بتوسيعها فبدلاً من أن تكون للذكور فقط قمنا بتحويلها إلى ذكور وإناث، لكن بشكل منفصل أي مدرسة للذكور ومدرسة للإناث.

وأنا باستمرار أشارك بالجاهات والعطوات وإصلاح ذات البين والعمل التطوعي. وقد أسست جمعيات خيرية بالزرقاء كان للجمعية الأولى فروع في الزرقاء وصويلح والأزرق، وهي الجمعية الخيرية الشيشانية، الأم بالزرقاء وفروعها في السّخنة والأزرق وصويلح.

من هم الشيشان؟

الآن أنت تسألني عن الشيشان فأقول لك بأن الشيشان منتشرون في العالم كله، فعلى سبيل المثال في الصين لهم مساجد، والشيشان ليسوا عشيرة لأنهم مرتبطون بالمكان الذي استقروا فيه عندما سكنوا بذلك الوقت شمال القوقاز.

وما دام يجلس بيننا السيد بدر بينو فإنني أقول بأن بينو هي منطقة في الشيشان، وهي عائلة شيشانية معروفة بالأردن نسبة إلى منطقة بينو.

وعندما نقول الشيشان نجد بأن كثيراً من الناس يتعاملون مع الشيشان هنا بالأردن حسب التعريف العام بالعالم، لأنهم يعتقدون بأن الشيشان كلهم من عشيرة واحدة، وأنا أقول بأن الشيشان خرجوا مهاجرين، ولم يخرجوا مطرودين، فهم لم يفروا إنما هاجروا لكسب ثواب الهجرة، فلما وصلوا إلى مناطقنا في بلاد الشام قاموا بتقبيل الأرض بمجرد وصولهم، وخلعوا الأحذية من أرجلهم لأنها أرضُ مقدسة، كما فعلوا ذلك عند وصولهم إلى سيل الزرقاء، فلما وصلوا إلى هناك قالوا: صحيح إنها بلاد مقدسة.


لماذا اختار الشيشان الأردن؟ كما حدثنا المرحوم الوالد وكبار السن من الشيشان بأنهم أرسلوا وفداً من الحجاج لاستكشاف هذه المنطقة، علماً بأن شيخهم قام بتحديد بلاد الشام من البحر الأبيض المتوسط بفلسطين حتى الإسكندرونة أي حدود بلاد الشام علماً بأن الإسكندرونة قد دخلت حدود تركيا من خلال السياسة. كانوا يعتقدون بأن هذه الأرض محظوظة من بين بلاد العالم، لأنها الأرض التي باركنا حولها. الشيشان جاءوا بعد حروب الإمام شامل، خرجوا عام 1319هـ، وأول فوج وصل إلى هنا كان في بداية شهر شباط (فبراير) 1900 إلى الزرقاء، وكانت أول دفعة تتكون من 73 عائلة وصلوا عن طريق القطار من تركيا إلى الشام وآنذاك لم يكن هناك سيارات بالأعداد الموجودة حالياً، وكان معهم عرباتهم وخيولهم (ومونتهم) وما حملوه حتى وصلوا تركيا على العربات، وأثناء سيرهم في بعض الوديان كانت بعض العربات لا تمشي، فكانوا يفككونها وينقلونها على شكل قطع، وعندما يقطعون الوديان كانوا يقومون بتجميع العربة مرة أخرى. كانت رحلتهم شاقة، وقد مات أناسٌ كثيرون منهم، وأول من سكن بالزرقاء. والدي الشيخ جمّو- رحمه الله- كان مع الدفعة الأولى من المهاجرين وقد نزلوا في نفس مكان مسجد الشيشان الآن على سيل الزرقاء.

علماً بأن السيل كان آنذاك أشبه بنهر ولم يكن هناك في تلك المنطقة أبنية إلا قصر شبيب وحسب ما قرأنا فإن هذا القصر قد بُني أيام عبد الملك بن مروان، وكانت طريق الحجاج التي تأتي من تركيا إلى مكة تمر من هنا.

علماً بأن هناك فوجا من الشيشان ذهب إلى صويلح، وهناك فوج استقر بالسُّخنة على سيل الزرقاء بالقرب من الزرقاء، وبدأت السخنة تتوسع، والفوج الثاني استقر بالزرقاء وما حولها، علماً بأنه من هنا باتجاه الغرب حوالي 30 كيلومتراً لم يكن هناك إنسان يسكن بهذه المنطقة وأول ما نزل بها الشيشان العام 1900.

الشيشان في عمان: من أوائل الشيشان الذين سكنوا العاصمة عمان اثنان من الإخوة سكنا طريق وادي السير. وبالنسبة لللشيشان بصويلح، فلم يكن بصويلح أحدٌ كنا نجد فيها آنذاك عين ماء وحنفيات من حجر والشيشان الذين خرجوا من الزرقاء أصروا بأن يسكنوا في صويلح أي بعد أن سكنوا الزرقاء بسبع سنوات.

الشيشان في الأزرق والعلاقة الحميمة مع الشيخ حديثة الخريشة:  لما جاء الشيشان إلى الأزرق خلال الفوج الثاني العام 1905، حيث وصلوا إلى هناك وكان سبب وصولهم هو الشيخ حديثة الخريشة من قبيلة بني صخر، وقد قام الشيشان بتقديم الملابس الشيشانية إلى الشيخ حديثة – الزي الشيشاني – فلما وصلوا المرتفع شاهدوا الأزرق والمياه، وأول ما وصل هناك والدي- رحمه الله-، والتقى مع المهاجرين الشيشان بالشيخ حديثة فقال لهم حديثة أنتم أناس طيبون يجب أن نكافئكم. حديثة الخريشة أراد مكافأة الشيشان نظراً للعلاقة الحميمة التي تجمعه مع الشيشان وقال لهم المنطقة من عين أسد وجنوب للخريشة، بينما للشيشان المنطقة من عين أسد لوادي الرتم إلى الشرق – الزور- للشيشان وكذلك إلى الغرب، فقال له الشيشان نحن لا نريد إلا عشرين كيلومترا. كلوب باشا كان يكره الشيشان فهم لم يكونوا يقولون عنه الصاحب بينما هناك أناس يقولون عنه أبو حنيك وآخرون يقولون الصاحب. أناس من الشيشان كان يُسلّمون على الأمير عبد الله ولا يسلّمون على كلوب، فمن جملة المكروهين لدى كلوب باشا كان الشيشان.

عمان أيام زمان

كانوا يقولون: توفي ميرزا باشا، وكان زعيما شركسيا ثم ظهر سعيد باشا المفتي. وكان من المؤسسين في الجيش والمجلس التأسيسي أحمد رمزي. ومن بين الذين أرسلتهم الحكومة إلى اسطنبول للدراسة هناك سعيد المفتي وعباس ميزرا وكذلك كان هناك أناس من الشيشان هربوا إلى تركيا حتى لا يذهبوا للعسكرية عند تركي، أتذكر عمان أيام زمان حتى عام 1945 أنا ذهبت إلى مباراة يوم الجمعة مشياً على الأقدام فذهبت من الزرقاء للمحطة.

النادي الأهلي ونادي الأردن: أتذكر عندما كنت صغيراً في سنّ 10-11 كنا نذهب مشياً على الأقدام ونحضر مباراة تحت رعاية الأمير عبد الله بالمحطة، وفي عام 1945 جاء مع الأمير عبد الله العُتبان – من قبيلة عتيبة – حيث جاء معه مخلد العتيبي، وأنا وقفت خلف الكرسي الذي يجلس عليه الأمير عبد الله، أتذكر شخصاً شركسياً أثناء دخول الأمير الملعب للمباراة ما بين النادي الأهلي ونادي الأردن كان عمري آنذاك 8 سنوات، وأنا عندي اللياقة وشاهدت هذا الشركسي يرمي الكرة قلت هذا كثير الحركات قليل الإصابات، فقال الأمير هيا. وفهم عليه مخلد العتيبي وحملني مخلد العتيبي ووضعني أمام الأمير، فقال الأمير: شو اسمك؟. قلت له عبد الباقي جمّو. قال من أين أنت؟ قلت شيشاني من الزرقاء. فربّت على كتفي وقال هذا الولد إذا سلك طريقا فإنه سيتجه للخير، هذا سوف يكون رحمة للعالم، وإذا سلك طريق الشر الله يستر البلد منه؟!

وبعد ذلك حملني مخلد العتيبي ووضعني وراء الكرسي. أتذكر ساحة الساعة أي ساحة الملك فيصل، حيث كان هناك موقف العربات للشيشان الذين يذهبون من صويلح للزرقاء أو من الزرقاء لصويلح، حيث كانوا يضعون التين عند ساحة الساعة أو ساحة الملك فيصل ولم تكن معبدة آنذاك.

شارع طلال: أتذكر بأنه لم تكن هناك سيارات بهذا الشارع، وأتذكر الحاج حسين أبو الراغب، وكان يزوره الناس طوال النهار بطريق المحطة بالقرب من جسر رغدان وهو رجل فاضل.

وأتذكر أبو صلاح الشربجي وهو من وجهاء الشوام ومضافته معروفة على سيل عمان. ولما بدأت أختلط مع الناس في عمان قبل أن أصبح نائباً بالبرلمان كنت أعرف الحاج خليل حيمور وأزوره بمضافته بعمان، وهو من أهل الخير، ويسعى ليل نهار لحل مشاكل الناس، وأتذكر أن عنده كراسي من جلد ودائماً بيته مفتوح للناس.

سعيد باشا المفتي: كان رجلاً طيباً وزعيماً للشركس بعد ميرزا باشا وشغل منصب رئيس الوزراء ورئيس مجلس الأعيان. أما الشيخ محمد منور الحديد (أبو عفاش) فرجل فاضل شيخ وإنسان طيب. عضو بمجلس النواب ولم يرتفع صوته على إنسان.

اللواء حكمت مهيار، كان صديقي وكان رجلاً متواضعاً وأصبح مديراً للأمن العام وفي أحد الأيام جاء لزيارتي في الزرقاء المرحوم عبد المجيد العدوان وكان محافظاً للعاصمة، ومعه اللواء حكمت مهيار.

سمير الرفاعي: أصبح رئيساً للوزراء وهو رجل دولة، يتعامل مع الناس تعامل رجل دولة، كان بيته متواضعاً في جبل اللويبدة. بهجت التلهوني، دولة أبو عدنان كانت علاقتي معه علاقة عمل. الشيخ نزال العرموطي كان أحد وجهاء عمان ومضافته معروفة في جبل نزال وسمي الجبل باسمه. الشيخ فلاح العابد الدعجة كان بيته مفتوحًا دائماً للناس، فكان ديوان الشيخ فلاح العابد معروفاً في جبل الهاشمي، وبعد ذلك قام بتأسيس صالحية العابد قرب ماركا.

عاكف الفايز (أبو فيصل) كان شيخ عشيرة، وقد ذهبنا معاً من خلال وفود برلمانية في زيارات إلى خارج الأردن. أحمد اللوزي: دولة أبو ناصر إنسان محترم لا يعرف التعالي ولا التكبر، ويحافظ على الصداقة.

بماذا تمتاز عمان عن العواصم الأخرى، يرد الشيخ المرحوم بالقول: أنا قمت بزيارات إلى بلدان كثيرة مثل أميركا وألمانيا ويوغسلافيا وبريطانيا وإيران، لكن عمان هي الأجمل، وعند المقارنة بين عمان القديمة وما وصلت إليه الآن نجد بأن الفرق كبير، فقد تقدمت وتوسعت بشكل سريع، ولا يوجد هناك مجال للمقارنة بين عمان الأمس واليوم.

أعتقد بأن أهل عمان أيام زمان أحسن مائة مرة من الآن، فقد كان الصدق والأمانة، واللصوص معدودون على الأصابع وكانت الألفة والمحبة بين الناس وكان الرجل يحترم المرأة، أعتقد بأن سبب ذلك يعود إلى التراجع في الدين.

*  الغد

تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السفير الكندي: الأردن يُعلم العالم التنوع.. وعلى الأردنيين الفخر

  ميديا نيوز –  قال السفير الكندي في عمان، بيتر ماكدوغال، إن الأردن يُعلم العالم ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: