الرئيسية / أخبار الأردن Jordan News / داعش: الجذور والنشأة، الأدوات والمستقبل.

داعش: الجذور والنشأة، الأدوات والمستقبل.

MNC –الدكتور ممدوح العبادي

 

دعا الوزير الاسبق د. ممدوح العبادي الى ضرورة شن حرب برية وجوية على داعش وفي عقر دارالتنظيم , يشترك فيها الى جانب التحالف , تحالف عربي تكون فيه الاردن والعراق وسوريا ولبنان ومصر وبدعم دولي , خلال محاضرته التي ألقاها بمنتدى عبد الحميد شومان الثقافي مساء اليوم الاثنين . –

أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة

السيدات والسادة

الحضور الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بادئ ذي بدء؛ لا بد أن أتقدم في الشكر أكثره، والامتنان أوفره، للقائمين على هذه المؤسسة الريادية؛ المتقدمة في العمر والأثر، والفائزة بالفضل والعمل؛ فتكاد هذه المؤسسة والقائمين عليها وحدهم، هم من يسدون الفراغ الحاصل في دور مؤسسات المجتمع المدني، المطلوب أن يظل تنويريا وتثقيفيا وحواريا.

وإنني في هذا المقام أخص بالشكر ابنتي وصديقتي فالنتينا على أدائها وجدية عملها، في مؤسسة عبد الحميد شومان، وهي المؤسسة صاحبة الاسم والتاريخ الأصيل، والدور والأثر الفضيل.

وبعد؛

بداية ولكي ندخل في سياق فهم مشترك لعنوان هذه الحوارية، لا بد من العودة لتعريف الإرهاب، وتبيان فحوى معناه، وعليه فإن الإرهاب هو: معالجة الاختلاف في الفكر والرأي عن طريق العنف والسلاح.

فالعنف إما أن يكون وطنيا كمقاومة الاحتلال، وإما أن يكون ارهابيا، كالذي تقوم به القوى التكفيرية في العالم الاسلامي، وقد يكون ذلك فرديا أو جماعيا، وقد يكون الارهاب كذلك؛ ارهاب دولة كالذي تمارسه اسرائيل مثلا.

والارهاب موجود في التاريخ العالمي اجمالا، ولكنّي سأعالج الارهاب والعنف في تاريخنا الاسلامي والعربي، ومن هنا سأعود بالذاكرة الى جذور الحركات الارهابية والتطرف في الاسلام؛ وذلك لكي نعي حاضرنا يجب ان نبحث في تاريخنا.

كانت اولى البوادر؛ هي اغتيال الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب ثم علي بن ابي طالب وظهور حركة الخوارج، كحركة احتجاجية مسلحة ضد علي اولا، ورفضهم للتحكيم بينه وبين معاوية، واغتيال علي ثم اصبحوا ضد معاوية والدولة الاموية لاحقا.

وبعد مقتل الحسين بن علي، ظهرت الحركات الشيعية، والاثنا عشرية، والذين رفضوا الاعتراف بالدولة الاموية، وأصروا على احقية «آل البيت»، ومن ثم توالت الافكار المتطرفة بعد ذلك، من ابن حنبل الذي تبنّى الفكر الاصولي المتشدّد والاعتماد على النص الحرفي ورفض التأويل والاجتهاد.

ثم ظهرت حركات مثل القرامطه والحشاشين، الى ان جاء بن تيمية الحنبلي عام 700 هجري، وهو شيخ الاسلام، والمتشدّد الاكبر في التاريخ الاسلامي الى يومنا هذا.

وبعدها جاءت حركات التجديد في العالم الاسلامي لإحياء الدين الصحيح، مثل السنوسية في ليبيا، والمهدية في السودان، وأهمها الوهابية في نجد، وتحالفت الحركة الوهابية مع محمد ابن سعود، وشكلوا حلفا هو حلف (العقيدة والسيف)، واصبح شعارا لهم وللدولة السعودية.

أخذ أبو الأعلى المودودي؛ الهندي المسلم عن ابن تيمية، كل شيء ولاحقا جاء سيد قطب في مصر وقام بوضع “فكر السجون” الذي يكفّر المجتمع، ويصفه بأنه جاهلي، وانتشرت افكار سيد قطب من خلال الكثير من الاخوان المسلمين، الذين رحلوا عن مصر في خمسينات وستينات القرن الماضي، الى الخليج والسعودية، وتلاقحت افكارهم مع فكر الحركة الوهابية في السعودية وقطر.

جاءت الشرارة الاولى لانتشار هذا الفكر مع الانقلاب العسكري في افغانستان، والتدخل العسكري من قبل الاتحاد السوفيتي، فكانت الفرصة المواتية للولايات المتحدة، لإشعال شعار “الجهاد دفاعا عن الاسلام في افغانستان”.

وبدأت الماكينة الاميركية بالحشد والتسليح، واُسند التمويل للسعودية والخليج، واسندت اليهم ايضا مهمة الامداد بالرجال واستطاعوا اجبار الاتحاد السوفيتي على ترك افغانستان.

وبعدها بدأت عودة المقاتلين “المجاهدين” الى بلادهم ضمن تسميتهم بـ”الافغان العرب”، فكرا ومظهرا.

عاد بن لادن الى افغانستان ثانية نتيجة الضغط عليه في السودان، وكانت افغانستان وقتها تحكم من قبل حلفاءه “طالبان” ونفذ في 11/9/2001، ما سمي بغزوة نيويورك، فاحتلت اميركا على إثر ذلك افغانستان، وتشرد “الافغان العرب” مرّة اخرى الى اقطار العالم المختلفة، وكان من بينهم ابو مصعب الزرقاوي، ودخل الى العراق بعد احتلاله من قبل اميركا عام 2003 وشكل تنظيم التوحيد والجهاد، وبدأ أبو مصعب بالحرب على جبهتين مختلفتين في آن واحد، ضد الاميركان المحتلين من جهة، وضد الشيعة الروافض من جهة اخرى، وقام بأعمال مروعة مثل تفجير الحسينيات والمراكز الشيعية الى ان تمت تصفيته من قبل الاميركان.

ولا اغفل دور المالكي القمعي للسنة العراقيين، وهو القمع، الذي ساهم في تشكيل حاضنة سنية لهذا الفكر وبقيادة من أبو بكر البغدادي، الذي اعلن لاحقا دولة الاسلام في العراق والشام “داعش”، وتمددت هذه الدولة حتى سقوط الموصل حيث سلّم الجيش العراقي المدينة دون قتال واعلن البغدادي نفسه خليفة للمسلمين (السنة) فقط وتمدّد الى سوريا، ورفض الانصياع لزعيم القاعدة ايمن الظواهري، بل اشتبك مع أبو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة، وهي فرع القاعدة في سوريا.

ان “داعش”؛ هي حركة تتبنى الفكر السلفي الجهادي التكفيري، وهي اكثر تطرفا من القاعدة، وشعارها استقطاب طائفي سني، ضد الشيعة، وتتبنى العنف والارهاب وسيلة لتحقيق اهدافها، وتبالغ في استعمال العنف مقتدية بـ “جانكيز خان”، كما قال احد قادة تنظيمه، وبدأ يتباهى بالرجم والسبي لترويع الخصوم، وبدأ يسعى للوصول الى بغداد، ويؤكد التنظيم ان خلافته تكتمل بالسيطرة على مكة والمدينة.

والخلاف الجذري بين داعش والقاعدة، ان داعش تتصرف كدولة وليس كتنظيم، وتسعى للاستيلاء على الارض كأولوية لتوسيع الرقعة التي تسيطر عليها، وهي تمتلك بنوك وعقول وأدمغة متخصصة في العلوم العسكرية والاقتصادية والامنية، كما ان ابرز القادة العسكريين من ضباط الجيش العراقي المنحل، تحولوا الى العقيدة الدينية والتحقوا بالتنظيم ولكنهم يفضلون العمل بعيدا عن الاضواء، في هذه المرحلة وأن هناك مقاربات بين داعش وأمريكا، من حيث الفوضى الخلاقة، تقابلها عند داعش شوكة الإنهاك والنكاية، كما أن السياستين لا تتعرض لإسرائيل، بأي أذى، كما أن عدو التنظيم الإرهابي هم الشيعة فقط.

اسباب انتشار الفكر المتطرف:

لا يجب ان نقف عند سبب واحد لهذا النجاح الهائل والسريع لهذا الفكر المتطرف، لان الاسباب كثيرة ومعقدة ومركبة.

اولا: اسباب فكرية دينية:

وهي الرجوع الى اصول الدين السلفي الجهادي والعودة الى زمن الخلافة (أي خلافة هي؟ هل هي خلافة الراشدين ام العباسيين ام خلافة بني عثمان!!)، وانتشر هذا الفكر بواسطة مئات القنوات التلفزيونية ووسائل الاتصال الاجتماعي، والكتب الصفراء المنتشرة والمطبوعة على نفقة المال الخليجي، ومنتشرة في كل مكان وبأرخص الاسعار، هذا علاوة على المنابر والمناهج وغيرها وغيرها.

ثانيا: الفساد والاستبداد:

وهي سمة انظمة الحكم العربية والاسلامية، وهي من اهم الاسباب التي أدّت الى الربيع العربي.

وهي تاريخية ولم تتبدل منذ أيام الرجل المريض في الخلافة العثمانية، حتى قال عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: حيث أنني قد تمحص عندي أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي، ودواؤه بالشورى الدستورية.

ثالثا: اسباب اجتماعية واقتصادية، أهمها الفقر والبطالة.

رابعا: اسباب نفسية، نتيجة التهميش والإقصاء، وانتشار المخدرات والسرقات و.. و.. و…

ونتيجة لكل تلك الأسباب فإن الخطر المحدق بنا جميعا، هو خطر تفتيت العالم العربي الى شيع وطوائف (سايكس بيكو مذهبي وطائفي)، وتحويل هذه المنطقة الى دول (شيعية وسنية ويهودية وعلوية ودرزية).

ومن هنا فان الدعم الامريكي لهذا التنظيم، هو جزء من مخطط امريكي يستغل فيها الدين، والهدف النهائي منه تفتيت مختلف اقطار العالم العربي المحيطة باسرائيل.

جيل مختلف:

صحيح ان نسبة كبيرة من مقاتلي الدولة الاسلامية من الشباب الاسلامي المتحمس، ولكن الصحيح ايضا ان عقولا اسلامية تعلمت في جامعات غربية، في مختلف المجالات؛ حتى الإعلامية منها.

فمن يتابع وسائل الاعلام التابعة للدولة، واشرطتها على اليوتيوب، ومجلة دابق، التي تصدرها بعدة لغات، ومشاركات وأنشطة نشطائها على وسائل التواصل الاجتماعي على الانترنت والتويتر يدرك هذه الحقيقة جيدا.

وقد اختلف الاجتهاد حول عدد المنتسبين لحركة داعش، وقد يكون العدد الحقيقي يفوق المئة وعشرين الف مقاتل حتى كتابة هذه السطور وهو في ازدياد مضطرد، بسبب التدفق الهائل من أصقاع الدنيا، من خلال التسهيلات التي لا حدود لها من نظام أردوغان، وآخر تقرير للمخابرات الأمريكية يشير إلى أن هؤلاء بلغ عدد الأجانب نحو 20 ألف.

وان اندفاع الشباب المسلم للانضمام الى صفوف (الدولة الاسلامية) جاء مشفوعا بأسباب مثل؛ انتشار الفساد والدكتاتورية واستفحال الصراع الطائفي، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وارتفاع معدلات البطالة، وكذلك فشل الايديلولوجيات العلمانية والليبرالية الاخرى في تحقيق طموحات هؤلاء، في مواجهة التغوّل الغربي والاميركي على وجه الخصوص، وهيمنته على المنطقة، وفشل ما يسمى ثورات (الربيع العربي) في احداث التغيير المأمول.

جذور التوحّش:

يقول ابو بكر الناجي مؤلف كتاب ادارة التوحّش ( الناجي: احد منظّري تنظيم القاعدة، ويُعتقد ان هذه الكنية تعود الى محمد خليل الحكايمه (أبو جهاد المصري)، والناجي اعتمد على مرجعية العالم الاسلامي من القرن الرابع عشر الميلادي، تقي الدين بن تيمية الذي يعتبر اول السلفيين الجهاديين؛ والناجي بات يعتبر في نظر الكثيرين احد ابرز الكتب التي تعكس فكر الدولة الاسلامية والجهاديين الاسلاميين) يقول: ان افحش درجات التوحش اخف من الاستقرار تحت نظام الكفر.

وان ليس على المجاهدين انتظار نشوء التوحش تلقائيا، بل التسريع به من خلال ضربات النكاية والإنهاك، وتقوية شوكته ضد القوى المنافقة والمستعمرة، وهي تقابل الفكر الأمريكي في الفوضى الخلاقة.

 

استراتيجية التوحش:

شكلت مشاهد الاعمال الوحشية الدموية، التي تقوم بها الدولة الاسلامية التي تفوّقت بهذا الأسلوب من أشرطة الفيديو المنتظمة، التي تعرض فيها مشاهد قطع رؤوس رهائنها بدم بارد، من بلدات سقطت في ايديها، تتحدث عن نساء او ايزيديات؛ اغتصبن وانتزعت قلوبهن من احشائهن ثم تركت على صدورهن.

تعتبر هذه الوحشية الظاهرة، بقوة في ممارسات الدولة الاسلامية عاملا اساسيا في استراتيجية الحرب النفسية التي يتبعها هذا التنظيم.

ويعتبر التوحش جزءاً اساسيا من ترسانة السلاح النفسي للجهاديين، وعبّر عنه بشكل جلي من خلال دراسة طويلة في العام 2004 معنونة (ادارة التوحش-اخطر مرحلة ستمر بها الامة)، كما أسلفنا من اعداد ابو بكر ناجي احد منظّري تنظيم (القاعدة)، حيث تحدد ثلاث مراحل في الطريق نحو اعادة تأسيس الخلافة “شوكة النكاية والانهاك”، ثم مرحلة “ادارة التوحش”، واخيرا مرحلة “تأسيس الدولة الاسلامية والخلافة”.

كيف تطّبق (الدولة الاسلامية) حاليا دراسة ابو بكر ناجي؟:

الاميركيون انفسهم قاموا بذلك: عملية “شوك أند أو” (الصدمة والترويع)، في غزو العراق 2003، والإعلام جزء من هذه الاستراتيجية، لبث الرعب بين الأعداء وتخويفهم.

ففي حروب الردة لم يتردد الخليفة الاول ابو بكر الصديق، في التعامل بدموية دون اي رحمة، ضد المرتدين، الذين رفضوا دفع الزكاة، حتى ان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، المعروف بشدته وبأسه، عارض ذلك، وكانت مقولة الخليفة ابو بكر المشهورة “مالي اراك شجاعا في الجاهلية خوارا في الاسلام”.

وان كانت النظريات التي تقول ان الدولة الاسلامية، هي تجديد للفكر الوهابي، الذي وضعه الامام محمد بن عبد الوهاب، في صورته الاولية الاصلية، مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، فان ممارساتها، تتطابق في اكثر وجوهها، مع ممارسات وايديولوجيات الحركة الوهابية وانصارها، من حيث اتباع اسلوب الرعب والترهيب لدفع الخصوم الى الاستسلام او الهرب.

التأصيل الشرعي للتوحش:

بالنسبة الى (الدولة الاسلامية)، فان فظاعاتها انما هي (رسائل بالدم)، تقوم بها عمدا وعن سبق الاصرار، بحسب العنوان الذي اختاره قسم الاعلام الدعائي في هذا التنظيم، في الاصدار الذي صدر عنه باسم الحياة، لشهر تشرين الاول / اكتوبر 2014 والذي تضمّن فيديو بشعا لقطع رأس مقاتل كردي.

وكلما كان الفعل شنيعا كلما كانت الدعاية اقوى.

العنف البالغ القسوة الذي تقوم به (الدولة الاسلامية) متعمّد، مقصود وعن سابق اصرار، بل هو معرّف ضمن المرحلة الثانية من المراحل الثلاث لاستراتيجية انشاء الدولة الاسلامية.

 

شوكة النكاية والانهاك:

بالعودة الى كتاب ابو بكر الناجي (ادراة التوحّش عام 2004) فهو يصف المرحلة الاولى من تأسيس الدولة الاسلامية، شوكة النكاية والإنهاك، ما يعني ان القوى العظمى سيتم انهاكها في شكل متواصل بالتهديدات والإرهاب والعدوان.

المرحلة الثانية لادارة التوحش التي يقوم فيها الجيش الجهادي بتدمير اي شيء يقف في وجهه. منطقة التوحش التي سينشط فيها السلفيون الجهاديون، هي منطقة تخضع لقانون شريعة الغاب بشكلها البدائي، والتي ادت الى نشوء منطقة التوحش، التي يتحدث عنها والتي يسعى الجهاديون، الى استغلالها لمصلحة مشروعة.

ويشدد ناجي في دراسته على ضرورة ان يكون الجهاديون، انفسهم متوحشين ايضا، ففي اشارته الي قيام الخلافة العباسية يقول ناجي: إن أحد اسباب نجاح العباسيين وفشل الاخرين هو عنف العباسيين ولين الاخرين، ومحافظتهم على دمائهم.

زيادة توحّش المجاهدين ستؤدي الى ارتفاع سمعة المجاهد ومنزلته، عبر موجات من العمليات التي ستملأ قلوبهم (الاعداء) بالخوف، وهذا الخوف سيكون بلا نهاية.

الهدف؛ هو الحصول على اقصى تغطية اعلامية ممكنة للفظاعات المرتكبة، بحيث تثني قلوبهم عن معارضتنا، وتجعلهم يفكرون الف مرة قبل ان يهاجموننا، طبيعة الحرب بحسب ما يقول هي لا شيء سوى العنف؛ الخشونة، الارهاب، اخافة العدو وذبحه، الرقّة هي احدى مكونات الفشل في اي عمل جهادي.

يحضّ ناجي على الافراط في حجم العمليات، فمثلا يجب استخدام كمية من المتفجرات لا تؤدي فقط الى تدمير مبنى، بل تسويته بالأرض، وتجعلها تبتعله كليا.

وإذا لم تدفع الفديات من اجل اطلاق رهائن مخوطفين، يجب ان تتم تصفيتهم بأكثر الطرق بشاعة ورهبة ما سيبث الخوف في العدو ومؤيديه.

مستقبل داعش:

بعض المحللون يقولون إنه لم يسبق أن سيطرت أي جماعة جهادية في العصر الحديث على مساحة شاسعة من الأرض، وسيطرت عليها ماليا وإداريا وسلطويا، كما أقامت داعش.

ولذلك يجد هؤلاء أن إمكانية استمرارها أكثر من أي منظمة جهادية أخرى واردة وخصوصا أن داعش موجودة في بيئة عربية، وليس كما القاعدة التي قامت في أفغانستان.

ويرى هؤلاء المحللين بأن موت البغدادي أو قتله، سيكون أحد أكبر الأخطار التي تهدد بقاء هذه المنظمة واحتفاظها بقوتها ونفوذها وسيطرتها.

كما أن احتمالات الانشقاقات المحتملة داخلها، واقتتالها الداخلي كبقية الجماعات المماثلة.

كما أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والذي اكتفى باستعمال سلاح الجو قد يحد من قدرة انتشار التنظيم، كما حدث في كوباني، ومحاولة تمددها إلى إقليم كردستان (أربيل).

واحتمالات القوة العسكرية البرية إذا ما اتخذته الغرب مع الحلفاء العرب سيكون أكثر من ضربة قاصمة لهذا التنظيم، كإنشاء حلف عربي؛ من سورية والعراق والأردن ولبنان.

في وقت أن الضغط من قبل أمريكا والغرب على نظام أردوغان لا غلاق الحدود، والدخول في التحالف الدولي سيزيد من صعوبة استمرارية هذا التنظيم، ودعم الجيش العراقي بتغيير تركيبته الطائفية، من 90% اتباع المذهب الشيعي، وتحويله إلى جيش عراقي وطني حقيقي بعيد تغيير تركيبة المعادلة العسكرية.

كما أن التقارب بين الجيش العراقي مع الجيش السوري في ظل المصالح الأمنية المشتركة قد يفيد في حماية الحدود المشتركة، وتفويت الفرصة بشكل جيد على تنظيم داعش وممارسته في انتهاكاته بتهريب السلاح بين البلدين.

من البديهي القول بأن سبب قوة هذا التنظيم وانتشار هذه المنظمة هو؛ التهميش والإذلال للسنة، من قبل المالكي، لكن قد تكون الحكومة الجديدة برئااسة العبادي هي الفرصة لتغيير هذا المسار الخاطئ، ومن شأن ذلك تحسين الوضع واستخدام السنة في العراق إذا ما شعروا بالعدالة والمساواة أن تتعارض مصالحهم مع تنظيم داعش المتطرف، وهي ما يؤدي لرفع نسبة احتمالات إنكماش التنظيم بدل تمدده.

ومثال ذلك واضح في الصحوات 2006-2008، والتي قضت بشكل شبه كامل على حركة أبو مصعب الزرقاوي في عقر دارها في الأنبار.

ولكنها عادت بعد مواقف الحكومة المالكية في العراق، لقوة التنظيم الذي احتضن السنة.

محاربة التنظيم:

لا يمكن الاستناد إلى فكرة محاربة التنظيم إلا بالأساليب الجوهرية، من خلال:

أولا: قانون القوة؛ عبر الخيارين العسكري والأمني، على الحدود، وفي عقر دار التنظيم.

ثانيا: قوة القانون؛ في الداخل الأردني، من خلال سن تشريعات تحمي حرية التفكير، وتحمي أن تستخدم المرافق العامة لترويج أفكار الضلال وتكفير الآخر، وقتله.

إن الحرب الفكرية والأيدلوجية، هي أهم مراحل الحرب على الإرهاب، وهي الحرب التي يجب أن نستعد لها بكل عقول واعية ومتفتحة، وتعرف كيف التأثير بالنشأ، وأخذه لناحية الصواب وليس الضلال.

لذلك بات اليوم واجبا أن نعي خطر استفراد أي جهة كانت بالمنابر الدينية، أو وسائل الإعلام المختلفة، أو المناهج التدريسية.

لكن كل تلك التطورات التي أصابتنا بوجع، سواء في تفجيرات العام 2005، أو حتى إعدام شهيد الأردن البطل الطيار معاذ الكساسبة، جعل من الواجب الوطني وكفرض عين على كل أردني أن يبدأ بمجابهة تلك التنظيمات المتطرفة المجنونة، وأن نبدأ بالعمل على المحافظة على الدين الصحيح، والبدء فورا، بتغيير المناهج، وتحديث الدين المنطوق به على المنابر، والإعلام الذي عليه إبراز الحجة بالحجة، ومحو الكتب الصفراء والفضائيات الصفراء، من منازلنا ومن على رفوف مكتباتنا.

بالعودة لمحاربة التنظيم على المستوى الأردني، يمكن القول بأن تنظيم داعش الإرهابي استدرج نفسه في مواجهة وعداء شعبي عارم.

ويمكن الاستفادة بعد توفر هذه المشاعر، من مؤشرات الحرب والحشد الدولي التي لن تسمح لداعش بالتمدد أو التوسع، فالفرصة الجغرافية لا تتوفر اليوم لداعش كما توفرت للقاعدة في أفغانستان، فهناك كانت الجغرافيا ملاذا آمنا.

لأن داعش من وجهة نظري هي أداة سايكس بيكو المذهبي والطائفي، فإنه لا بد من دعم الأفكار التالية بالسرعة الممكنة:

أولا: الدعوة لحل عادل وسريع للقضية الفلسطينية.

ثانيا: تحقيق إصلاح سياسي اقتصادي تعليمي.

ثالثا: تحقيق فرصة العدل والمساواة والمشاركة الشعبية وتحسين حياة المواطن.

رابعا: لجم فقهاء الدين الجهلة.

خامسا: أن يكون الإصلاح جذري يؤسس لديمقراطية حقيقية، تقود وتؤدي إلى مشاركة شعبية حقيقية.

وأمام تحدي التطرف والإرهاب القادم على أيدي داعش والنصرة، واتباعهم وذيولهم، فإنني وفي الختام لا بد من القول بأن موقف الأردنيين بعد حادثة استشهاد معاذ تدل على الوعي والنضوج والوطنية، وأننا قادرون على حمل مسؤولية إدارة البلاد بكل كفاءة واقتدار.

ومن الآن فإن بلدنا بعد معاذ يجب أن يكون غير قبل معاذ، من حيث استلام ناصية القرار، وتعميق الديمقراطية والعدالة والمساواة.

إن موقف الأردنيين في ظل الأزمة الماضية وموقفهم من الربيع العربي الذي فضل الاستقرار والأمن على الفوضى والدمار، والروح الوثابة الوطنية هي أصدق تعبير على الحس الوطني العالي للأردنيين الذين يليق بهم أن تنعم بلادهم في الديمقراطية الحقة والحياة البرلمانية النظيفة، ويحق لهم في المشاركة الشعبية الضرورية لرفعة الوطن وتقدمه.

وهنا لا بد من الحديث صراحة بأننا لليوم لا يوجد لدينا أي روافع حقيقية في الإصلاح السياسي، الذي يجب أن يتماهى مع مشاعر الوحدة الوطنية والعقلانية والنضج السياسي الذي يملكه شعبنا.

وكل ذلك يجب أن يرتبط ويشتبك مع إرادة سياسية مؤمنة بالإصلاح الحقيقي، عبر مؤسسات سياسية حزبية، ومؤسسات مجتمعية قوية كالبلديات.

إنها فرصة تاريخية للعودة إلى العمل بجد ونشاط في رفع قيم الإصلاح السياسي إلى الأمام، فالوحدة الوطنية هي أهم حاجز ضد الاعتداء الخارجي؛ إسرائيليا كان أو الإرهاب.

كما أود الإشارة في هذه الخاتمة بأن توحد الاردنيين في مشاعرهم وانفعالاتهم وعاطفتهم أمام حادثة استشهاد البطل الطيار معاذ الكساسبة، قلبت السحر على الساحر؛ والساحر هنا هو داعش وظلاًمه.

إن طريقة إعدام الشهيد كان القصد من ورائها إدخال الرعب في قلوب المقاتلين الأردنيين، وإشعال الفتنة بين كونات الشعب الأردني.

ولكن انقلب السحر على الساحر فعلا، فالقوى الشعبية جاءت من كل الاتجاهات تطالب بالثأر والانتقام، وهو ما فوت الفرصة على الفتن والقلاقل التي أرادها التنظيم.

ومن جهة أخرى فإن مقاتلات سلاح الجو التي حلقت في سماء لواء عي جنوب محافظة الكرك بعد انتهائها من تنفيذ مهمة قتالية، بعثت برسالة بأن الجنود البواسل وطيارينا لا يهابون داعش و ممارساته الاجرامية، وكانت تلك الحالتين أبلغ رد على محاولات داعش على الفتنة والرعب.

إنني أدعو الدولة الأردنية بالإسراع في تشكيل خلية عمليات طارئة للعمل على الاتصال بابنائنا الذي يعملون تحت إمرة العصابات التكفيرية في سورية من داعش ونصرة وغيرهم، لاسترجاعهم واحتوائهم والعفو عنهم حتى يعودوا إلى حضن الوطن سالمين.

كما أن النظر إلى الإرهاب والتعامل معه بذات المقياس، يحتم علينا القول بأن الإرهاب والصهيونية وجهان لعملة واحدة، فالإرهاب عدو شعبنا، وقضيتنا الأولى والمركزية هي القضية الفلسطينية، والتي أُبعد الاهتمام فيها بعد دخول هذه المنظمات التكفيرية لتفتت دول المحيط، كما نرى في سورية والعراق، وهم جادون في مواصلة هذا التفتيت والتعاون مع العدو.

إن محاربة داعش وغيرها من المنظمات التكفيرية تبدأ بالوحدة الوطنية وبتلاحم النسيج الوطني الأردني مسيحييه ومسلميه، ونبراس مجتمعنا الأردني الواحد هو العيش المشترك.

إن التحصين الفكري والأيدلوجي وإزاحة الشوائب في الموروث الفهي، والعودة إلى الدين الوسطي السمح، تحتاج إلى توافر كل الجهوود والمدارس الفكرية المختلفة، لتحديث الخطاب الديني.

لقد مر في التاريخ الإسلامي حركات معارضة تكفيرية ودموية كثيرة من القرامطة والحشاشين والاسماعيلية والخوارج، وقد كانوا هؤلاء جميعا، خارج السياق العام للدولة الإسلامية من راشدين وأمويين وعباسيين، لكنهم تلاشوا عن الوجود، كما ستتلاشى قطعا هذه المنظمات، من داعش والنصرة وغيرها، التي هي خارج السياق العام، للمجتمع وخارج المعتقد الإسلامي الصحيح.

إن الرئة التي تتنفس منها داعش والنصرة وغيرها هي نتيجة دعم نظام اردوغان من تهريب للمقاتلين من كل أصقاع الأرض والأسلحة والأموال وشراء النفط من المنظمات الإرهابية في سورية والعراق بتصرف كتصرف عصابات المافيا وليس كتصرف الدول، زيادة عن دعم نظام أردوغان لإعلام المعارضة ومعارضة الفنادق.

وبالأخير، داعش نبت شرير، لن تستأصل جذوره لا بالحرب الجوية، ولا بالإعلام المضاد، إنما يتم القضاء عليه بقوات برية، والقوات تلك يجب أن تكون قوات سورية عراقية مشتركة، تنفذ عملياتها ضد جحور داعش، لكن لن تنجح تلك الفكرى سوى بدعم عربي كافي أولا، ودعم دولي صادق ثانيا.

نحن في الأردن وبتقديري؛ فإن مصلحتنا صمود سورية موحدة، لأن البديل سيكون قطعا داعش والنصرة، وإذا كان النظام السوري غير ديمقراطي، فهي مشكلة السوريون وحدهم وليست مشكلتنا.

في الختام؛ هذا اجتهاد خاضع للنقاش، وهي أفكار أطرحها للتداول، لا أقول بأني أختم العلم بها، لكن أؤيد وبشدة كل ما جاء فيها، وهي أفكار مقتنع بها، وأتمنى أن ترقى تلك الأفكار لمستوى حواركم الذي أنتظره بشوق ولهفة، فإن صوبتموني فهذا فضل العلم، وإن أثرت أشجان الحوار معكم فهذا فضل اللقاء.

 1 (1) 1 (2) 1 (3) 1 (4)

000 00

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عاملو “الاونروا” ينهون اضرابهم عن الطعام

ميديا نيوز – انهي عدد من العاملين في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: