الرئيسية / WhatsApp / حين نتفنا ريش الطاووس الإسـرائيلي فـــي الكـرامــة

حين نتفنا ريش الطاووس الإسـرائيلي فـــي الكـرامــة

محمد داودية

كانت ميول مثقفي الأردن ايام الستينيات والسبعينيات تتوزع بين الأحزاب القومية وأحزاب اليسار. لم تكن الأحزاب الدينية موجودة على الخريطة السياسية الأردنية والفلسطينية. كان حزب التحرير حزبا إعلاميا صوتيا محدودا وكان «الإخوان المسلمون» يكاد يكون حزبا رسميا متخصصا في تأييد سياسات الحُكم والدفاع السياسي والإعلامي وحتى الدفاع البدني عنه.

تسلمت أول منشور سياسي، من احد الزملاء في المدرسة الثانوية، كنا في الاستراحة بين الحصص، دس في يدي ورقة مطوية وهو يتلفت شمالا ويمينا وقال: اقرأ يا «أبو القراءة والكتب».

واضاف: هذا المنشور سري جدا. وهو لك وحدك، اقرأه ولا تُطلع أحدا عليه.
ابتعدت عنه وعن بقية الطلاب وفتحتها. كانت الورقة السرية مروسة بعبارة لطالما قرأتها على يافطات المظاهرات وسمعتها في الهتافات: «امةٌ عربيةٌ واحدة، ذاتُ رسالةٍ خالدة».

كانت الورقة تحتوي كتابة مطبوعة حول حتمية اجتثاث إسرائيل وتحرير فلسطين ومقاومة الأحلاف الاستعمارية وتبشر بقرب بزوغ فجر الوحدة العربية. مر على ذلك المنشور اكثر من نصف قرن وفجر الوحدة العربية، خلاص امتنا، يزداد أفولا.

كانت الشوارع تمتلئ بمنشورات الحزب الشيوعي وحزب التحرير وحزب البعث وحركة القوميين العرب والناصريين وجماعة الإخوان المسلمين.

فقد جيلي الثقة بخطاب مذيع صوت العرب احمد سعيد الذي اطلق عليه محمود كساب لقب «غوبلز» وفقد جيلي الثقة بزعامة جمال عبد الناصر الذي «خَفَشَ» وأصبح اقل هديرا وتهديدا ووعيدا، ولم نعد نستمع لإذاعة صوت العرب.

كنا نقرأ مقالة محمد حسنين هيكل بعيون الريبة والشك، في المقابل، كان يرتفع إيقاع أصوات مثقفي اليسار العربي، منارات تلك المرحلة: فؤاد زكريا، احمد زكي، سهيل إدريس، صادق جلال العظم، غسان كنفاني، حسين مروّة، احمد بهاء الدين، لطفي الخولي، أمل دنقل، رفعت السعيد، عبد الرحمن بدوي، فتحي غانم، واحمد فؤاد نجم.

وانتشرت اشعار المقاومة واصبحنا نتداول أسماء أدباء الأرض المحتلة: محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زيّاد، إميل حبيبي، وتوفيق فياض.

لقد امدنا أولئك المثقفون الفلسطينيون العرب، الرازحون تحت الاحتلال الإسرائيلي بدفقات عزم لا تضاهى، في توقيت حاسم ضروري.

لقد شكلت الثقافةُ رافعةَ الأمة الجديدة ومصابيحها المنيرة في ظلمة حالكة حد العمى.
امضيت اجازتي الصيفية الثانية في المفرق، كان الشارع مشتعلا صاخبا فوارا، فكارثة حزيران التي مضى عليها سنة واحدة فقط، تلقي بظلالها الثقيلة على أرواحنا وعلى علاقاتنا.

البحث عن الذات

كانت هزيمة حزيران والرد عليها، هما جدول أعمال أبناء جيلي بامتياز، كنا نشعر بالخذلان والعجز. وكان علينا أن نفعل شيئا. تحاورنا ليالي طوالا، ورجعنا إلى عشرات المراجع الفكرية والسياسية، ناقشنا كتاب لينين «ما العمل» وكتب ماو تسي تونغ ومذكرات غيفارا وكتب محمود شيت خطاب وليدل هارت والجنرال فرونزة والجنرال جوكوف ومذكرات دوغول و ونستون تشرتشل ومختلف القادة السياسيين والعسكريين.

تم اعتماد شعار: كل البنادق ضد إسرائيل. فالتحم الجيش والفدائيون الفلسطينيون في معركة الكرامة في آذار 1968 وتم إلحاق هزيمة نكراء بـ «جيش الدفاع الإسرائيلي» الجيش الذي لا يقهر، كما وصفته الصحافة العالمية. ردت «الكرامة» لنا الروح.

كان الإسرائيليون المزهوون بجيشهم الحقوا قبل اقل من سنة في الخامس من حزيران سنة 1967 هزيمة نكراء بالدول العربية الثلاث: مصر وسوريا والأردن. ولذلك انزلوا قواتهم في بلدة الكرامة وعبروا نهر الأردن من ثلاثة محاور وظنوا أنهم في نزهة، إلى درجة أنهم دعوا الصحافيين إلى تناول طعام الغداء في المرتفعات الشرقية لوادي الأردن على أمل أنهم سيحتلونها في سويعات ثم يرجعون مكللين بالغار.

بعد ست عشرة ساعة من المواجهة الأسطورية، تحقق الانسحاب الإسرائيلي الكامل الذي أصر الملك الحسين على أن يكون بلا قيد وبلا شرط. لقد أحرقتهم المدفعية الأردنية واصطادت دباباتهم وآلياتهم التي غرقت في السبخات وصدمهم صمود الجنود الأردنيين والمقاتلين الفلسطينيين.

قال لي الأمير زيد بن شاكر، في جلسة بمنزله عام 1995 وكان رئيسا للوزراء وكنت نائبا في البرلمان، إن الغيوم التي ظهرت في المنطقة على غير المألوف، والتي كانت تغطي، بين فترة وأخرى، سماء الأغوار يوم الكرامة، حيّدت إلى حد كبير سلاح الجو الإسرائيلي.

توزع الشباب على أحزاب وتنظيمات تلك المرحلة المرعبة، فقد اختار الشقيقان يوسف وعماد ميخائيل القسوس الحزب الشيوعي الاردني، واختار الاشقاء فخري وميشيل وجميل النمري الجبهة الديمقراطية، وفؤاد زيتاوي ومحمد النجدي جبهة النضال الشعبي، ومحمود كساب ومحمود النجدي وصلاح الداغستاني الجبهة الشعبية.

تابعت كاتبي المفضل غسان كنفاني فوجدته في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أسستها حركة القوميين العرب عقب هزيمة حزيران 1967، فالتحقت بالجبهة برفقة محمود كساب، الذي سيصبح لاحقا زوج شقيقتي خديجة.

عملت بكد وجهد تنظيميين في مكتبي المفرق والطفيلة إلى أن المت بنا كارثة أيلول 1970.
بلغ بي التمزق مداه، والفانتازيا قمتها، فالجيش والفدائيون، في المواجهة على الضفة الشرقية وفي عمان «هانوي العرب». وهناك على الضفة الغربية المحتلة، يقف الجيش الإسرائيلي المحتل، مقهقها متفرجا على دمنا.

جيشنا وقواتنا المسلحة التي تضم عمي جعفر وشقيقي علي وخالي عبد الحليم وصديقي عبد المهدي علي التميمي وصديقي الطيار فراج عيد فراج ومديري الغالي عادل محمد حسن، جيش الشهداء: الطيار فراس العجلوني وفرحان محمد الحسبان وموفق السلطي ومنصور كريشان وصالح شفيق صلاح وخضر شكري أبو درويش، في مواجهة مع الفدائيين !

كنت معلما في بصيرا على بعد ثلاثين كيلومترا جنوب الطفيلة. جرت الأمور على خير وأكمل وجه، قام الحكماء عبد الله العوران أبو غازي ومحمود الداودية أبو فتحي ومحمد المرافي أبو حكمت وأبو زيد العدينات وآخرون بمساع مكوكية مضنية لإبرام اتفاق بين الفدائيين والجيش تم بموجبه الحيلولة دون وقوع مذبحة، فالفدائيون المزودون بمدافع الهاون ورشاشات الدوشكا يستحكمون في مرتفعات الطفيلة ويشترطون خروج رفاقهم سالمين ويهددون بالقصف.

 غياب بلا عقاب

عشت نحو سنتين من سني طفولتي في معان درست فيها الصفين الثالث والرابع الابتدائيين وعشت في كنف أخوالي الخوالدة- آل خطاب كرام الناس، أميرا مدللا، تحفني العناية والرعاية، أجد لي في عشرات البيوت مودة وحنوا وترحابا.

وعشت نحو سنتين في الطفيلة ودرست فيها الخامس والسادس الابتدائيين، كنت فيها محل رعاية الكثيرين من الأقارب وخاصة النساء، كان اسمي في الطفيلة «ابن رحمة حسن» كان لوالدي افضال كثيرة وكانت الناس تقدر، ونفعتني سمعة والدي الطيبة بعد اكثر من اربعين عاما على وفاته، في الانتخابات النيابية التي خضتها عام 1993 عن الطفيلة، فقد بادر الى تأييدي العديد من الكهول، جيل الوالد الذين عرفوه عن قرب او زاروه في الاجفور حيث كان يعمل.

درست السابع والثامن والتاسع في المدرسة الهاشمية الإعدادية التابعة للثقافة العسكرية الواقعة في أقصى شمال المفرق. كنا نمشي نحو سبعة كيلومترات يوميا ذهابا وإيابا إلى المدرسة في الحر والقر، ونمشي أحيانا نحو ثلاثة  كيلومترات إلى أقصى جنوب شرق المفرق حيث موقف سيارة الجيش التي تنقلنا الى المدرسة.

درّسَني في المدرسة العسكرية الهاشمية في المفرق، معلمون عسكريون من مختلف الرتب، برئاسة ضابط دمث طيب هو الملازم عادل محمد حسن، ولن أنسى عندما زار مدرستنا عام 1962 العميد عثمان بدران مدير الثقافة العسكرية، المجاهد الكبير في فلسطين، الذي حمل لنا حلوى «الككس» التي رأيتها للمرة الأولى والتهمت حبة منها بعد أن تأمّلتها طويلا.

كانت المدارس العسكرية تتميز بالجدية والصرامة والضبط والربط وكان الطلاب كأنهم جنود في ثكنة عسكرية، وقد صقلت شخصيتي كثيرا السنوات الثلاث التي درستها في تلك المدرسة في الفترة ما بين 1960-1963.

أحرز فريق مدرستنا بطولة مدارس القوات المسلحة بكرة القدم عام 1962 في المباراة النهائية بيننا وبين مدرسة الفتح، بهدف سجّله من كرة مرتدة من ركلة جزاء، الصديق الحميم -إلى اليوم- على سلامة محمد أبو فلاحة المشاقبة، وحصلنا على الكأس.
كنت ألعب في الفريق ظهيرا أيسر (هاف باك) ولما حصلنا على الميدالية الذهبية تباهيت بها أمام صديقتي عدة أيام، ولما عرضتها عليها خشيَت أن تأخذها فيراها أهلها، وأمام إلحاحي تجاسرت ووافقت على أن تأخذها فتضعها تحت وسادتها لليلة كاملة ثم تعيدها لي مضمخة برائحتها. اكتشفت عندما حاولت بيع تلك الميدالية الذهبية، أن ليس فيها غرام ذهب واحد وإنها مصنوعة من البرونز الذي لا يساوي شيئا.

غبت عن المدرسة أسبوعين كاملين، دون علم أهلي، كنت اخرج صباحا والتقي بصديقين فارين مثلي فننطلق إلى تسلق الأشجار ولعب كرة القدم وتقليد الهنود الحمر في زعيقهم ورمي السكاكين وصنع الرماح. سمعت أمي قرعًا على الباب وكان الوقت عصرا ولما فتحته سمعتُ صوت رجل يتحدث معها، وهي خلف الباب، ميّزتُ صوته، هذا مدير مدرستي الأستاذ عادل، عندما علم أنني في المنزل رفع صوته ونادى عليّ طالبا أن يراني، كانت أمي مصعوقة بسبب غيابي السري عن المدرسة، دخلت ودموعها على عرض وجهها.

قال لي المدير: ارجع إلى مدرستك غدا صباحا.

قلت: ولكنني سأتعرض للعقاب.
قال: هالمرّة سماح يا محمد، ما في معلم رح يحكي معك، ارجع على كفالتي. كانت على المعلم مسؤوليات تتعدى غرفة الصف وتتجاوز سور المدرسة، مسؤوليات تتنوع وتتوزع على مختلف شؤون الحياة الخاصة بطلابهم.

 العجز التام عن التفسير

كنت في الصف الثالث الإعدادي، من الطلبة المبرزين، قررت أن اترك المدرسة وان التحق بالجيش، اتفقت مع احد الأصدقاء على ان نذهب معا، استيقظت مبكرا على قرع الباب وعندما فتحته استعدادا لمغادرة المنزل فاجأتني أمي: إلى أين في هذه الساعة المبكرة ؟ ذكرت لها أي سبب وخرجت.

كان الناس يدخلون كالنهر إلى معسكر «خو» قرب مدينة الزرقاء، آباء وأمهات يصطحبون أبناءهم للتسجيل في الجيش، يعبرون بوابة عرضها يزيد على عرض ملعب كرة القدم وعلى طرفها يجلس غفير يتثاءب يضع بندقيته على فخذيه، عبرنا البوابة فإذا بالغفير يصرخ: انتا انتا، ارجع.

رجف قلبي، تجاهلته ولم التفت فلعله يقصد شخصا غيري. انتا يا ولد. أقلك ارجع.
كان صوته غاضبا وكانت يده على كتفي: ما تسمع؟ أقلك ارجع.

عبر صديقي ورجعت.

كنت الوحيد الذي رجع من بين مئات الشباب العابرين تلك البوابة العريضة. ناورت، مشيت مسافة طويلة وعملت حركة التفاف على زاوية شيك المعسكر الذي رفعته وانحنيت فدخلت من تحته إلى المعسكر وتوجهت إلى قاعات استقبال المجندين الجدد. سمعت الغفير يصرخ: ارجع ارجع. توقفت. رأيته يصوّب بندقيته من بعيد نحوي وهو يصرخ: اطخك إن ما رجعت.

رجعت، غادرت معسكر «خو» مكسورا ودموعي على عرض وجهي.
عندما فتحت لي أمي باب المنزل عصرا قالت لي: أنا لا اعرف إلى أين ذهبت يا محمد وماذا كنت تنوي أن تفعل لكنني رفعت كلتا يدي إلى السماء ودعوت عليك قائلة: الله لا يوفقك يا محمد في مشوارك اليوم !
قلت لنفسي إن الغفير، الذي دقر لي وترصّدني واختارني من بين مئات الشباب، العابرين بوابة ليس لها غفير في العادة، وردّني وحدي، دون أي مبرر أو سبب، كان ينفذ دعاء أمي الذي غيّر مسار حياتي ومصيري !

بعد نحو ستة أعوام التقيت بمديري الأستاذ عادل في وزارة التربية والتعليم، أخذته بالاحضان وعبّرت له عن شدة احترامي له، كان على عجلة من أمره في طريقه إلى اجتماع، لكنه سألني سؤالا هزّني ولا يزال يهزّني إلى اليوم ويثير استغرابي وحيرتي: انت لم تسجل في الجيش يا محمد؟

قلت له: رجّعوني، ما سمحوا لي.
ابتسم ابتسامة غامضة ومضى.
ما الذي حصل آنذاك؟ من الذي لعب هذا الدور في حياتي؟ أهو دعاء أمي بأن لا يوفقني الله في مشواري؟
أم هو مديري عادل الذي المح الماحة هائلة تدل على معرفته بما عزمت عليه وما حصل معي.

هل هو من كان في سيارة الجيب العسكرية التي مرت بقربنا والتي لمحت فيها، من خلال غبارها الكثيف، ضابطا يشبهه وأنا في الطريق إلى معسكر «خو».

عاد صديقي بعد شهرين وهو يرتدي «البذلة» العسكرية والطماقات والقايش ذا القطع النحاسية اللامعة والبسطار والبُريه التي يزينها شعار لامع، وكانت محفظته عامرة بالدنانير، جعلني زيه ومحفظته في ذروة استيائي وسخطي على أمي وكانت المرارة تملأ حلقي والغيظ والغضب يسيطران علي لشهور.

 البنات والمجلات

ولدت في الاجفور -H.4 -ونشأت في المفرق.
المسافة بين البلدتين لا تزيد على مئتين وخمسين كيلومترا لكنها ماثلت في حياتي المسافة بين النعيم والجحيم.
عالم الإجفور الجميل انهار تماما، فوالدي تحت الثرى وعمي الحبيب جعفر وجدي الغالي مزعل بالكاد يجدان ما ينفقان على عائلتيهما.

اذن على الطفل اليتيم  المدلل ان ينهض بواجبات الرجال.
في عطلتي الصيفية الأولى بعد عودتنا من الطفيلة، ذهبت الى مكتبة محمد سكر وقلت له وانا اغالب خجلي: أريد ان ابيع الصحف والمجلات في العطلة، انا محمد وجدّي مزعل أبو إبراهيم.
سألني: لماذا تريد ان تبيع الصحف والمجلات؟
اجبت: اريد ان اوفر مصروف المدرسة، اريد ان اشتري بوط رياضة وبذلة كاكي.
ابتسم مشجعا وقال: عفية عليك يا خال. غاية كريمة وعمل كريم.
زودني باسماء تجار ومحامين ومعلمين وشخصيات وسيدات من اهل المفرق قال انهم يهتمون بالسياسة وهم يرسلون أبناءهم وبناتهم بانتظام ليشتروا لهم الصحف والمجلات.
حمّلني مجموعة الصحف والمجلات المصرية واللبنانية التي كانت تصله من عمان يوميا، كان من بينها الأهرام والاخبار والجمهورية وآخر ساعة وروز اليوسف والأنوار والنهار والموعد والشبكة والصياد.
كان الوقت قبل الظهيرة، ورغم انهم لا يعرفونني فقد ذهبت والخجل يغمرني الى بعض الأسماء التي ذكرها لي فاشتروا الاهرام وروز اليوسف والنهار والمحرر، كان استفتاحا مغريا.
صرت اجلس في ظل حائط احد المنازل واقرأ المجلات الفنية «من الجلدة الى الجلدة» حتى أكمل قراءتها كلها، فاحفظ الكثير من اخبار الفنانين المشهورين المكتوبة فيها، امضي نحو ساعتين يوميا وانا في حفلة المطالعة الممتعة تلك.
كنت اقرع الابواب، اعرض على السيدات والفتيات، المجلات الفنية وانا اذكر لهن نبذة عما في تلك المجلات، وسط دهشتهن واستغرابهن من معلوماتي. كنت اعرض لهن اخر اخبار عبد الحليم حافظ وشادية وفاتن حمامة وعمر الشريف وفريد الأطرش وسامية جمال واخبار كمال الشناوي وزبيدة ثروت ورشدي اباظة ونجوى فؤاد.
كنت احفظ تعليقاتهن واستفسر. فعندما تقول لي احداهن انها مهتمة باخبار احمد رمزي أقول لها ان في مجلة الشبكة قصة طويلة عنه، فتشتريها. وعندما اعرض عليها اخبار عماد حمدي وتقول لي انها ليست مهتمة به «دمه ثقيل» كنت اسألها: من تهتم بعماد حمدي من البنات؟

فإن اخبرَتني دونت ملاحظتها في رأسي الصغير.
حفظت اسماء الفتيات وأسماء المجلات الفنية التي يفضلنها وأسماء من يحببن وأسماء من يكرهن من الفنانين والفنانات.
مسوق بالفطرة

ابتدعت لنفسي أسلوبا خاصا في التسويق جعلني مشهورا في اوساط الصبايا والسيدات المهتمات بالفن، كان الصراع بينهن على اشده، الفتيات من أصول سورية ينحزن الى فريد الأطرش والفتيات المسيحيات والربداويات والفلسطينيات ينحزن الى عبد الحليم حافظ.

أصبحت «مستشار» الفتيات العاطفي، كن يستبقينني في منازلهن ويقدمن لي الحلوى والفاكهة والساندويشات وهن يمطرنني بالاسئلة عن الشباب الوسيمين، من هي حبيبة عيسى ؟ من هي حبيبة محمود ؟ انت تعرف من هو حبيب فاطمة، انت يا ازعر تعرف من تحب البنت خولة.

تطور الامر الى التنقيب عن أسئلة الصبايا العاطفية البريئة، فصرت استقصي عن «من يحب من». وتطور الامر، من حمْل الرسائل الغرامية، الى كتابة الردود المطولة عليها، وانتقلت من مركز «مستشار الغرام» الى مركز المؤتمن على قلوب العذارى وعلى اسرار الغرام العذري اللذيذ.

وأصبحت اكتب رسائل الغرام التي يلح الشباب عليّ لكتابتها واكتب رد البنات عليها.
كنت احظى بالكثير من جوائز الترضية، أحيانا « تذبيل» عينين ناعستين، واحيانا أخرى، مكافأة رفع الكلفة والتساهل والبحبحة في اللبس امامي، واحيانا كنت احظى بمسحة بريئة على الرأس، نظير كل رد اكتبه على رسالة غرامية، في حين تجلس صاحبته ملتصقة بي تشجيعا وتعبيرا عن الامتنان.

يا للفتيات ما اكرمهن.

يوميا بعد العصر، اعود الى المكتبة، أسلّم الخال محمد سكّر المجلات والكتب غير المباعة واحاسب عن ما بعت، كان محمد سكر شهما، ظل يعطيني اكثر مما استحق. ولما اشتريت منه بوط الرياضة وبذلة المدرسة الكاكية، حسم نصف الثمن، واهداني كرة قدم، جعلني امتلاكها زعيما في الحارة، يتودد الأولاد إليّ؛ كي اشركهم في اللعب بها.
كان المردود الاجتماعي العاطفي من بيع المجلات والصحف كبيرًا، لكن المردود المادي كان شحيحًا، فكان لا بد أن أبحث عن فرص عمل أخرى ذات مردود مالي أكبر يغطي احتياجاتي.

 الحلقة العاشرة تتبع الأربعاء المقبل

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السفير الكندي: الأردن يُعلم العالم التنوع.. وعلى الأردنيين الفخر

  ميديا نيوز –  قال السفير الكندي في عمان، بيتر ماكدوغال، إن الأردن يُعلم العالم ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: