الرئيسية / WhatsApp / الملكة علياء الحسين غيّرت مسار حياتي

الملكة علياء الحسين غيّرت مسار حياتي

محمد داودية

القرود التي لا تقطع الجنازير

انقضت العطلة الصيفية سريعا، عدت إلى الشوبك، تقرر نقلي معلما منفردا إلى مدرسة بير الدباغات لأحلّ محل زميلي المعلم محمد الملكاوي الذي نُقل هو الآخر إلى محافظة اربد، ذهبت إلى بير أبو العلق مودعا طلابي وأهالي القرية.

تمكنت من كسر حاجز العزلة وحصار الثلوج ولعنة «المعلم المنفرد»، وبالقدر الذي كنت فيه سعيدا بالخروج من القفص، لمحت الحزن على وجوه طلابي الذين خذلتهم بمغادرة حوزتهم.

كان يوما حزينا، يوما لا أتمكن من وصف ندمي على حدوثه، تعلّق طلابي بي وهم يشدونني وينتحبون، أوشكت ان اختنق، كفكفت دموعي مرات ومرات وتمنيت لو أن النقل اللعين يلغى، توجهت نحو العجوز التي أهدتني فروتها فوجدتها تكفكف دمعها، ما هذا، كان ثمة حطام من المشاعر وركام من العواطف الإنسانية البريئة، فعلى أية حماقة أقدمت أنا؟!

كانوا على فطرة لا تضاهى وعلى براءة اخّاذة وعلى ودّ باذخ. 

أهداني والد احد طلابي حصانَه «الشهاب» الذي اعتدت أن أستعيره منه وامتطيه إلى البتراء، فقد كانت ألفة ملحوظة نشأت بيني وبين الحصان الذي أطلقت عليه اسم الشهاب.

قلت: اعتذر بشدة عن قبول هذه الهدية الثمينة يا أبو عقاب، لم تعد بي حاجة إلى الخيل، فقرية الدباغات كما تعلم تقع على الطريق الرئيسي بين الشوبك ووادي موسى، ويمكن لي أن اركب السيارات العابرة وازور البتراء التي أدمنت زيارتها.

قال لي عدنان خليل آل خطاب، ممرض قرية بير خداد، عندما زارني بصحبة معلمي القرى المجاورة واطلع على حال القرية: والله يا محمد لو ربطوا قرودا مكانك في بير أبو العلق لقطّعت جنازيرها وهربت!

كان المعلمون غير المنفردين من طبقة أرقى! وكانوا يطلقون على المعلم المنفرد لقب «المعلم المنقرد».

انتهى الفصل الصعب الأول من معاناتي، فانا هنا في بير الدباغات «حاضرة» المنطقة التي تتوسط عدة قرى هي: بير أبو العلق وحوالة وبير خداد والشماخ، ومدرستها التي تتكون، كعادة المدارس تلك الأيام، من غرفتين، واحدة للتدريس والأخرى للمعلم المنفرد، تقع على بوابة الغابة الكثيفة الجميلة.

كانت المشكلة الأعوص التي تواجهني هي الطبخ ثم غسل الملابس الداخلية والجرابات والقمصان، ولذلك اشتريت أكداسا من الجرابات الجيشية والملابس الداخلية الصوفية الثقيلة واستعضت عن القمصان بالكنزات الصوفية التي لا تحتاج إلى كوي متكرر.
دلني المعلم محمد الملكاوي على طريقة تحضير العجين وترك لي منقلا كبيرا، كنت أُجمِّر الحطب فيه واضع فوق الجمر مشبكا حديديا ثم أضع العجين المرقوق فوق المشبك وأقلّبه وبعد دقائق احصل على خبز قمح محمر، اقسم أنني لم آكل إلى اليوم أطيب وأشهى منه.

 اكلنا خروفا على العتمة

العمل ممتع ومختلف في بير الدباغات ولذلك تفرغت للطبيعة وللقراءة المكثفة التي تركزت على الدراسات السياسية والعسكرية ومذكرات كبار القادة في التاريخ مذكرات تشيرتشل وروميل ومونتجمري وكاسترو وغيفارا. مع التركيز على المجلات السياسية والثقافية التقدمية المصرية واللبنانية مثل مجلة الآداب ومجلات الطليعة والفكر المعاصر والمجلة، في محاولة لفهم ما يجري في العالم.

لم يكن طلابي بحاجة إلى الحضانة والرعاية الخاصة التي احتاجها طلاب بير أبو العلق. طلبت منهم ان يضعوا منقلين في غرفة التدريس التي كانت تضم 12 طالبا، الأول قرب الباب والثاني في نهاية الغرفة، ووضعت جدولا يوميا بحيث يقوم طالبان كل يوم بإحضار حطب التدفئة وإشعاله إلى أن يصبح جمرا فيجران المنقلين إلى غرفة التدريس التي تصبح مكانا دافئا صالحا للدراسة.

دعانا عوض إلى عشاء دسم، ذبح خروفا عقيقة لابنه. كنا نلتقي في الخميس الأخير من كل شهر بالتناوب في إحدى القرى التي نعمل فيها، مشينا قرابة كيلومتر داخل غابة بير الدباغات «الهيشي»، عدنان خطاب وأمين الصغيّر ومحمد النعانعة وأنا.
كان الغروب فاتناً في خريف بير الدباغات يوم الخميس الأخير من شهر أيلول 1967.

قدّم مستضيفُنا طبقا كبيرا يستقر فوقه خروف مقطع إلى أربع قطع، يتربّع على عدة طبقات من خبز شراك القمح المُغرّق باللبن وبالسمن البلدي، بلا أرز. وما أن جلس أربعتنا حول الطبق حتى أطفأ عوض السراج المعلق على واسط الخيمة وغاب، رافضا دعواتنا له بمشاركتنا الطعام.

كان المقصود من إطفاء السراج هو أن نأكل بأقصى قدر من حريتنا وكي لا يخجل احد منّا. ما يزال طعم تلك الوجبة الفريدة في فمي.

كان المعلمون جزءا أصيلا من المكان ومن المجتمعات، يعيشون في القرى التي يعتبرهم أهلها مراجع ثقاة في الكثير من قضايا مجتمعاتهم السياسية والثقافية والحياتية. وأحيانا كانوا يصاهرونهم ويزوجونهم كما حصل، مع المعلم عبد الكريم عقاب الخالدي، الذي درّست معه في الدجنية وتزوج منها.

عملت في عدة قرى في وسط الأردن وفي جنوبه وفي شماله، في ظروف غاية في القسوة عانى منها المعلمون والمعلمات كافة في الستينيات والسبعينيات، قرى كان فيها مدارس ومعلمون ومعلمات فقط، لم تكن فيها كهرباء ولا طرق ولا سيارات ولا بنوك ولا أي.تي.ام. ولا مخابز ولا ملاحم ولا مطاعم ولا عيادات صحية ولا مراكز طبية ولا صيدليات ولا محطات وقود ولا مساجد.

وبالطبع لا مقاه ولا كوفي شوب ولا بيرغر كنج ولا بيتزا هت ولا مكدونالد ولا دور سينما ولا مسارح ولا مكتبات ولا هواتف ولا تلفزيونات ولا لاب توب ولا فيسبوك ولا واتس اب.

عملنا بعيدا عن أهلنا. عطلتنا الأسبوعية كانت يوما واحدا فقط. كنا نستحم في السطل واللقن. ونغسل ملابسنا الداخلية والخارجية. ونخيط فتق الملابس والأزرار المقطوعة. ونكوي ونعجن ونخبز ونطبخ منسفا أو مكمورة أو مقلوبة. ونجلي ونحطّب ونصيد ونذبح ونسلخ ونقطع الخروف وننتف ريش الطيور والدجاج ونطبخها.

 كنت طبّاخ المعلمين في بصيرا عام 1970

عملت في بصيرا عام 1970، وهي قرية عريقة ومملكة قديمة تقع الى الجنوب من مدينة الطفيلة، سكنّا مجموعة معلمي المدرسة في منزل غربي البلدة مكون من ثلاث غرف، خليل الطرشان مدير المدرسة وعبد مقبل الهلول وإبراهيم العواجي ومحمد القرارعة وموسى القرارعة وانا.

كنت طاهي الفريق، يساعدني موسى وكان عبد وإبراهيم «القناصين» ومديرنا خليل ومعه محمد مسؤولا التموين والجلي.
ما زلت احنّ إلى تلك الأيام الجميلة. وعندما ترشّحت لانتخابات مجلس النواب عن محافظة الطفيلة عام 1993 وقف إلى جانبي بكل قوة وعزم وحميّة خليل الطرشان وعبد مقبل الهلول وإبراهيم العواجي وعطالله البداينة ومحمد موسى النعانعة. ف»الرَّفَق» عزيز على الرجال.

في «المعطن» التي تقع بالقرب من الطفيلة عملت بضعة شهور مع مدير المدرسة عطالله البداينة الذي ظلت علاقتي به إلى اليوم في أزهى حالاتها وما زلت اقول له كلما ألقاه: هلا مديري.

ذات يوم في مدرسة المعطن شتمني احد طلاب الصف السادس شتيمة من الزنار وتحت، فختت الشتيمة أذني، كنا في الفرصة الصباحية وكان الطالب مع طلاب آخرين، يجلسون تحت السور يتشمّسون.

كنت أقف قرب السور خلفهم عندما سمعت الطالب وهو يطلق الشتيمة، لم يكن يراني، قلت لنفسي إن عرف الطالب أنني سمعته فعليّ أن أعاقبه عقابا شديدا، يحفظ هيبتي أمام الطلاب، كي لا يتجاسر احد منهم على التطاول على أي معلم.
قررت أن اطبق قاعدة: «السفيه أُخسره» أي تجاهله وازدريه. مشيتها.

استدرت ورجعت. لم يعرف الطالب أنني سمعته. فلم يكن من تمام التربية أن أخلق مشكلة يمكن تفاديها.

التغلغل في الناس والوطن

عملت في قرية الدجنية التي تقع الى الغرب من مدينة المفرق ربطتني مع مدير المدرسة عواد فنخور الخزاعلة ومع اسرته علاقات طيبة واستمرت علاقاتي بصديقي الشيخ عواد المحمد الخزاعلة أبو نايف – نص الدنيا – الى اليوم وبصديقي المعلم عبد الكريم عقاب الخالدي وصديقي المعلم نوفان الكراسنة وبطلابي وبأسرهم وخاصة طالبي ناصر راشد الطرودي الخزاعلة وطالبي الذي اصبح وزيرا معالي الدكتور سالم الخزاعلة.

ولما أصبحت وزيرا للشباب عام 1996 بادرت إلى إنشاء مركز للشباب في قرية الدجنية.
كنا نعيش في القرى التي نعلّم فيها. لم نكن زوارا عابرين. «نعيش» بكل ما تحمل الكلمة من معنى. كنت ادخل في شراكة مع احد الفلاحين فنزرع أرضه قمحا وحمصا ليس بقصد الربح بل بقصد المتعة التي يحصل عليها الفلاحون وهم يراقبون السماء ينتظرون غيثها بقلق ويراقبون الزرع ينمو إلى أن يصبح قمحا نفرّكه أو حمصا نشويه.

بعد تناول وجبة الغداء واستراحة قصيرة كنا نذهب إلى الملعب الترابي، المعلمون والطلاب، نلعب كرة القدم إلى أن تغيب الشمس وتصبح الرؤية متعذرة، وفي الدجنية توليت تحطيم الصخور في زاوية الملعب ب»المهدّة» كي يصبح الملعب صالحا للعب. عملت في تحطيمها نحو أسبوعين حتى أصبح كفاي يقطران دما.

كنا نرتب مباريات كرة قدم مع مدارس القرى المجاورة التي نذهب إليها ونعود منها على الأقدام. كنت معلم كشافة، أتحرك مساء مع طلاب مدرستي الدجنية وحمامة العموش على الطريق المتجه إلى جرش نمشي على علامات الكشافة نطبقها ونهتدي بها إلى نقاط التجمع في أجواء أسرية حميمة لا مثيل لنقائها وصفائها.

 كيف تخلصت من بهدلة محترمة !

كنا في الطابور المدرسي الصباحي عندما لفت المدير عواد انتباهي إلى امرأة تنطلق بسرعة من بعيد تتوجه إلى المدرسة، كانت تثير خلفها غبارا.

قال لي عواد: أتعرف من تلك المرأة؟
قلت: لا.
قال: هذه هي أم الطالب الذي عاقبته يوم أمس، وهي امرأة قوية لن تتورع عن بهدلتنا وستمسح الأرض بنا كلنا أمام الطلاب.
قلت: دعني أتصرف.
وصلت المرأة التي تقدح عيناها شررا وتقدح قدماها حجارة تتناثر خلفها، واعين الطلاب تتحرك نحوها ونحونا تشفق علينا أو تتشفى بنا.
قالت بلهجة صارخة حادة: وينه المعلم الطفيلي؟

توجهت نحوي مباشرة فقد كانت تعرفني بلا شك وقالت: لماذا تكسر خاطر ولدي لماذا؟
قلت: حقك عليّ، هذه أخر مرة أعاقبه.

وأضفت بمكر: لن اسأل ابنك بعد اليوم إن جاء إلى المدرسة أو إن غاب، إن أنجز فروضه المدرسية أو لم ينجزها.
وأضفت بلؤم: ليس لي ولا للمعلمين كلهم علاقة بابنك. اعتبري ابنك مدللا يا حجة وساعتبره غير موجود.

أوشكت المرأة على الانهيار، امتقع لونها وقالت بلهجة منكسرة: لا يا ولدي يا الطفيلي، لا لا اريد هذا، ابني ابنك أريده أن يتعلم.
قلت لها بحزم وبصوت مدوٍ فاصل: لا تعودي الى المدرسة مرة ثانية الا ضيفة. نحن احنّ على ابنك منك والشغل شغلنا.
ردت باستسلام وهي تنسحب: الولد ولدكم وأنا ما لي شغل هنا.

عادت أدراجها تتلفت خلفها بين الفينة والأخرى وكأنها تظن أنني سأرسل ابنها خلفها أو أنني سأوسعه ضربا.

اخترعت عرّافا ونجح المقلب

في قرية حمامة العموش التي تقع الى الغرب من المفرق، عملت بصحبة سميح شدّاد وإبراهيم السوقي ومصطفى الرابي. ذات يوم رأيت أن أجرّب أسلوبا في كشف بعض الخزعبلات فاتفقت مع شاب نبيه من أهالي القرية فتنكر وحضر إلى غرفة الإدارة.
جمعت الطلاب في إحدى الغرف وقلت لهم إن عرّافا ماهرا زارني وأريدكم أن تلتقوا به. كان الرجل يعرف الطلاب بدقة شديدة ويعرف شيئا عن المعلمين كما انني زودته ببعض المعلومات عنهم.

دخل العرّاف يتوكأ على عكاز وبادر احد المعلمين قائلا: انتما اثنان تقدمان النفع للدار.
صرخ المعلم: نعم نعم أنا وشقيقتي.
خاض « العرّاف» مع الطلاب والطالبات، فاصلا طويلا. أذهلهم لشدة معرفته ودقة معلوماته. أجلسته في غرفة الإدارة وعدت إلى المعلمين والطلاب المذهولين وسألتهم: هل أقنعكم الرجل؟
فأجابوا بالإجماع: نعم.
ناديت «العرّاف» وطلبت منه ان يزيل اللحية المستعارة والضمادة التي على عينه والنظارة والفروة التي يرتديها والعكاز الذي كان يتوكأ عليه، فلما فعل خمدت حماسة الطلاب وأدركوا أن الخداع ممكن والى درجة كبيرة أحيانا وان «العرّاف» وهم وغش.

 الملكة علياء غيرت مسار حياتي

عملت في مدرسة عبد الله بن رواحة في المفرق مع المدير طالب الشواقفة – أبو نبيل وحنا حداد وغازي النمري-الباشا. ولما سقطت طائرة الملكة علياء يوم التاسع من شباط عام 1977 وهي في طريق العودة من زيارة مستشفى الطفيلة إثْر شكوى من سوء خدماته وتجهيزاته، عزمْتُ على زيارة الدكتور محمد طايل الشواقفة- ابوزيد الذي عُيّن مديرا لمستشفى الطفيلة.

في سيارة السرفيس من عمان إلى الطفيلة، يسّر الله لي راكبا، لم يتوقف عن سرد المشاكل التي تعاني منها محافظة الطفيلة.

قررت الإقدام على مغامرة وعلى فعل كبير خطير، له عواقب وخيمة، لن تطالني، إن أنا أتقنت التمويه والتضليل.
كان عدد من معلمي الطفيلة موقوفين لخلاف مع مدير التربية الذي وجدوا زجاج سيارته محطما في الصباح، وكان عطاء بناء درج شاهق للمدرسة الثانوية قد شابه غش بيّن. وكان هناك من استولى على أراض غرب الطفيلة وحرثها بتواطؤ رسمي وبجرارات رسمية !.

قررت أن انتحل صفة صحفي لأتمكن من الكتابة عن تلك المشاكل من الداخل. كانت أول مستلزمات نجاح التضليل أن يكون معي مصور، فاتفقت مع المصور جمال مسودة وذهبنا معا إلى الحاكم الإداري الذي ابلغه الحاجب أن «الصحافي محمد داودية» من صحيفة «الأخبار» قادم من عمان ويطلب مقابلته.

فُتحت لي الأبواب. وبعد شرب الشاي، عاتبت المتصرف على حبس المعلمين وطلبت أن أزورهم في «النظارة» فبادر الى الاتصال هاتفيا بمدير الشرطة قائلا: الصحافي محمد داودية من صحيفة «الأخبار» في الطريق إليك فدعه يقابل المعلمين الموقوفين.
قلت لنفسي: زبط الفيلم.

قابلت المعلمين المحبوسين واستمعت اليهم، كان عقابهم جماعيا. فرجعت إلى المتصرف انصحه أن يفرج عنهم، ففعل. انتشر كالنار في الهشيم أنني «أطلقت المحابيس» !!.

توجهت إلى حيث المشاكل الأخرى وأجريت تحقيقات كانت أشبه بالتحقيقات الجنائية وكان المصور لا يتوقف عن التقاط الصور وهو لا يعلم انه يساهم إلى حد كبير في التضليل ويجعله كامل الإتقان.

أخذت مجموعة الصور من جمال الذي طالبني بثمنها ولأنني لا املك ثمنها فقد وعدته أن ترسله له إدارة صحيفة الأخبار لاحقا.

 اول تحقيق صحافي: الطفيلة 77

عدت إلى المفرق وكتبت تحقيقا مطولا مصورا بعنوان «الطفيلة تحت الصفر» رتبته ووضعت له مقدمة وصورا، أرسلتها إلى راكان المجالي رئيس تحرير صحيفة الأخبار، فنشرها بعد عدة أيام في اربع حلقات تحت عنوان: « الطفيلة 77»، انتشيت وأنا أرى اسمي مطرزا على ورق الصحيفة، تحقيق: محمد حسن داودية. تصوير جمال مسودة.

ولاحقا عندما طالبني جمال بثمن الصور قلت له إنني وضعت اسمه على التحقيق الصحافي وهذا اكبر دعاية له، فغرق في الضحك و «مشّاها».

بعد ثلاثة شهور ذهبت إلى صحيفة الأخبار وزرت رئيس التحرير الذي عرّفني على فؤاد النمري مالك الصحيفة.
دعاني النمري إلى مكتبه وسألني: ماذا تشتغل يا محمد؟

قلت: اعمل مدرسا.
قال: أنت يا محمد خُلقت صحافيا ومكانك هنا معنا في الصحيفة.
عرض عليّ فؤاد النمري- أبو فارس، ضعف راتبي الذي كان 45 دينارا، فوافقت واستقلت من وزارة التربية والتعليم بعد خدمة عزيزة على قلبي استمرت 11 عاما.
أخذت قرار التفرغ للعمل في الصحافة في صيف عام 1977 وكانت نصائح الأصدقاء بالإجماع تحذرني من الإقدام على ترك وظيفتي في التدريس والاقدام على تلك المغامرة لعدم استقرار الصحيفة.
وحين تبرع الشهيد صدام حسين لأعضاء نقابة الصحافيين الأردنيين ب67 شقة، تم بناؤها في طبربور، كانت واحدة من أجملها من نصيبي.

 منعت من الكتابة وفصلت من العمل

عملت بضراوة شديدة في الصحافة. بدأتُ في صحيفة الأخبار التي كان مديرها العام الشاعر عبد الرحيم عمر الذي قال لي بعد ان لاحظ انتاجي وانصرافي الكلي الى العمل:
– أنت يا محمد تمتع بضمير مهنى لم اعهده في احد غيرك.
كنت اعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم إلى أن أتقنت كل مراحل إنتاج الصحيفة، ازدادت قدرتي على الدقة والتنظيم والإتقان. ورغم انني كنت سريعا ومنظما ودقيقا جدا ومُتْقِناً بلا تردد، إلا انني واصلت الضغط على طاقتي الى ان أصبحت أستاذ صحافة بشهادة كل من عملت معهم.

كنت اكتب مقالة يومية بعنوان «عرض حال». وقد تم منعي من الكتابة وفصلي من العمل أيام عدنان أبو عودة وزير الإعلام ولم يكن في جيبتي ثمن علبة حليب لإبنتي عدن ولا أجرة المنزل التي كانت ستين دينارا !

كان إبراهيم حماتي صاحب المنزل الذي استأجره شديد الحرص، يحسبها بالفلس ويحاسبني على الفلس. طرق باب منزلي مساء نفس اليوم الذي فصلت فيه من عملي واستأذن في الدخول قائلا: سمعت انك فصلت من عملك
قلت: صحيح أخ إبراهيم. اطمئن ولا تقلق على ايجار المنزل. كما ان موعد دفع الايجار لم يحن بعد. فنحن ما نزال في منتصف الشهر.

قال: اسمع يا جار. لا تقلق من أجرة المنزل على الاطلاق. وحياة العذراء انني لن اطلب منك الايجار حتى لو بقيت بلا عمل مدة خمس سنوات وأكثر.

قلت: غريب ما اسمع منك. بارك الله بك فهذه شهامة في وقتها.
اتصل بي محاسب الصحيفة وقال لي: الفول في انتظارك. تعال نفطر معا.
ناولني المحاسب راتبي كاملا. فقلت لنفسي: ان هذا المبلغ هو اجرة نصف شهر وبدل اجازات نصف شهر.
دخلت الى مكتب صاحب الصحيفة الذي استقبلني بحماسة ملحوظة.
قال وهو ينظر اليّ بمودة عارمة: اسمع يا محمد. سيظل راتبك الشهري ساريا الى ان تعود الى العمل مهما طالت المدة. انسَ موضوع الراتب كليا.

شكرته مستغربا الذي يحدث. فالرجل أيضا شديد الحرص على المال ويحسبها بالفلس.
تنفست الصعداء وغمرني ارتياح لا استطيع وصفه. قلت لنفسي: ما اجمل الحياة وما اجمل النزاهة وما ارقى شعبنا وبلدنا. يستحق هذا الاردن الزاخر بالخير وبالشرفاء ان ندافع عنه وان نحبه.
 
 الحلقة 13 تتبع يوم الأربعاء المقبل

تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السفير الكندي: الأردن يُعلم العالم التنوع.. وعلى الأردنيين الفخر

  ميديا نيوز –  قال السفير الكندي في عمان، بيتر ماكدوغال، إن الأردن يُعلم العالم ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: