الرئيسية / WhatsApp / المسرحية التونسية” الأرامل”… لحظة الوعي والتنوير القادم من عمق الألم والمعاناة

المسرحية التونسية” الأرامل”… لحظة الوعي والتنوير القادم من عمق الألم والمعاناة

رسمي محاسنة : ميديا نيوز – خاص 

يؤكد المسرح التونسي في كل مرة، جدارته بأن يكون في مقدمة المسرح العربي، وان هذا الارث الذي يستند عليه، أو يتمرد عليه احيانا،هو بمثابة سلك متوهج بين الاجيال المسرحية التونسية، مع ملاحظة ان المرأة التونسية تساهم بحمل هذا المشعل من الابداع، وقد سبق ان شاهدنا في الاردن في السنتين الأخيرتين أعمال ل” انتصار عيساوي وسميرة بوعمود” وهذا العام كانت بيننا المخرجة  التونسية” وفاء طبوبي”.

مسرحية الأرامل” التي جاءت كاختيار موفق في افتتاح مهرجان ليالي المسرح الحر، عن ذلك الوجع الساكن في الأعماق، والالم المتراكم، عن البحر الذي يبتلع جثث الرجال، ويستمع للشكوى والهموم، عن علاقة الرجل بالمرأة بشكل عام، عن الاحباط والخيبات…و.. فسحة الأمل.

المخرجة” وفاء طبوبي” كانت ذكية وواضحة عندما نسبت النص لنفسها، لانها اخذت الموقف فقط من رواية الأرجنتيني ” ارييل دورفمان” ، وكتبت حكايتها على لسان نسائها، بدلا من ان يقوم الرجال عند ” دورفمان” بالحديث عن المرأة، والنص مكتوب بعناية شديدة، دون الانزلاق في الشعارات او المبالغة في الحب والكره، او التطرف بالمواقف، انما جاء يحمل هذه الشحنات العاطفية، والرؤى الفكرية التي تتبع ذلك التدرج في الوعي عند الارامل الثلاث، والنضوج تجاه أنفسهم، وتجاه القضية الأكبر” الوطن”، في تمازج شديد الذكاء مابين الخاص والعام، وتلك الصرخات المكتومة احيانا، والعالية احيانا اخرى، من الحرب والتهميش والإقصاء،والظلم والخداع، لكن دون ان يكون هناك مبالغة في القسوة على الرجل، رغم حدة الموقف من ” الذكورة”،وأن المرأة إذا كانت قد وصلت الى الدرجة القصوى من الوعي، عندها تمتلك الشخصية التي تؤهلها لتكون ” ولاّدة” للنماذج التي تحمل مسؤولية الوطن، يدا بيد ” رجالا..ونساء”.

دون ان تحدد الزمان والمكان، تبدأ مسرحية” الارامل” بذلك الضجيج،صوت البحر، وتلاطم الامواج، وتلك الوقفة لثلاث نساء امام البحر، في أجواء الحرب وتبعاتها، وانتظار ثلاثة جثث للاب والاخ والزوج، غابوا في لحظة غائمة من حياة البلد ، اختلطت فيها الامور بين القيم، وأصبح كل واحد يروي روايته، دون ان يتحقق منها احد، فهؤلاء الرجال الغائبين،لكل واحد منهم رواية فيها بطولة، لكن الأحداث لاحقا تكشف عن حقيقتهم، كلما ازدادت مساحة الوعي في داخل النساء الثلاث.فالاب ” المربي والمعلم والمناضل”، والاخ ” السجين الذي قتل ورميت جثته بالبحر”، والزوج الذي “هرب من بطش السلطة”، تتكشف لاحقا حقيقية هذه الشخصيات،هذه الحقيقية التي كانت بمثابة ” المرايا” للنساء الثلاث،حيث تتكشف الرؤية من الذاتي الى العام،ويتحول الهمّ والهاجس نحو الوطن.

منذ مشهد الاستهلال بالوقوف على البحر، وكل واحدة تحمل قطعة قماش بيضاء، مرة تمثل الولادة، ومرة الكفن للجثث المنتظرة، ومرة تمثل هذا البحر، بهديره وغموضه، وهذا الصوت الذي أصبح شخصية رئيسية في العرض الى جانب الاضاءة والممثلات الثلاث.

النص المكتوب بكل مافيه من بوح والم وقهر وتمرد، الى الدرجة التي يتماهى فيها مع الشخصية،فكان هذا الاداء المدهش للممثلات، وهذا التناغم، والتشكيلات، والحركة على المسرح، واشغال فضاء المسرح الواسع الذي كان يخلو من الديكور تماما، سوى بعض الاكسسوارات، ليأتي لاداء الواعي لطبيعة الشخصية وهواجسها، والفهم لدواخلها وتطلعاتها،فكانت الحركة المحسوبة بدقة، والرشاقة بلا ارتباك،والتعبير بالجسد والتلوين بالصوت،ونقل تلك الصراعات الداخلية الى المتلقي، والحركة ضمن اضاءة مصممة للتعبير عن مسارات الشخصيات، وتعميق الاسئلة والتشظي، سواء تلك الخطوط من الاضاءة في مقدمة المسرح، او تلك في العمق حيث تلتقي وتفترق الشخصيات.

“الارامل”، عمل لم يقترب من الشعارات والصراخ، وان هذا البوح والمناجاة،والانفعال ومراجعة الذات، كان يعبر عن الوطن ” تونس”، وسطوة العسكر وسلطة الرجل، وإقصاء المرأة وتجريدها من دورها،ورغم كل هذه القتامة” التي كان يتم كسر حدتها بالكوميديا احيانا”، الا ان العرض يفتح على الامل من وسط كل هذه الأوجاع.

كاتبة والنص والمخرجة المبدعة” وفاء طبوبي”،كتبت رسمت شخصياتها على الورق بدقة عالية، وامسكت بكافة عناصر العرض على الخشبة، وخلقت هذا الحب ما بين بطلاتها ” نادرة التومي، وفاتن الشوايبي، ونادرة ساسي”، في هذا الأداء المتقن، والايقاع المدهش للشخصيات والأحداث، والتعبير عن تلك العذابات الداخلية، والتدرج في الوعي الذاتي والجمعي، فجاء هذا الإخراج المتمكن لعرض متكامل.

” الأرامل”…عمل تخرج منه وأنتمحمل به،واسئلة القلق التي تثير العقل والوجدان، وتشكل المخرجة” وفاء طبوبي” اضافة حقيقية للمسرح التونسي بهذا العمل المميز.

 

تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

x

‎قد يُعجبك أيضاً

باراغواي تفتتح سفارة لها في القدس المحتلة

ميديا نيوز – القدس “عاصمة فلسطين” – دشنت دولة الباراغواي، الاثنين، سفارتها لدى الكيان الاسرائيلي ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: