الرئيسية / WhatsApp / يوم الأرض الفلسطيني..وهتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين…!!

يوم الأرض الفلسطيني..وهتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين…!!

هشام زهران-ايثيكا


كانت أمسية شديدة الهدوء ربيع عام 1996حين كان الراحل الكبير محمود درويش يوقع ديوان شعره ((لماذا تركت الحصان وحيدا))  في دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمان ، حيث تطل شرفات القاعة على المناطق القديمة ، وانسحب الصديق درويش بهدوء من الجمع الغفير المحيط به ليدخّن سيجارة بهدوء على شرفة هادئة تطل على العاصمة وكانت الثامنة مساء حيث أشار إلى بأن اتبعه خفية لاشاركه فنجان قهوته وسيجارته …سألني ماذا تقرأ هذه الأيام فقلت(كتاب زلزال بيروت )فرفع حاجبيه وقال(قفزت بعيدا الآن ..لدي لك شيء)!!!

كانت الهدية  كتاب بعنوان (قصة الكفاح بين روما وقرطاجنة) تأليف الفيلسوف المصري الكبير توفيق الطويل وكانت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1946 كانت سعادتي في منتهاها بل تفاجأت ان المؤلف الطويل الذي ألّف كتاب أسس الفلسفة الجاف جدا والكثيف في فصوله أن يكون أهدى القاريء العربي قصة جميلة تأريخية لكفاح شعب قرطاجنة ضد الغزو  الروماني !!

كان هذا الكتاب من بين مجموعة كتب اصطحبتها معي في سفري الأخير الطويل إلى كندا حيث أعدت قراءته مجددا مستحضرا روح الماضي في عجلة الحاضر ، والآن ونحن على أبواب ذكرى ((يوم الأرض الفلسطيني)) الذي يجيء هذا العام في ظروف صعبة بين حصار لغوطة الشام وسقوط للتجريب الاوّل للربيع العربي وتلويح الاستعمار الأمريكي بنقل سفارتها الى القدس ..والعالم العربي يغرق في غيابة الظلام ارتأيت أن أكتب عن يوم الأرض العربية ومنها الأرض الفلسطينية التي لم يعد حال باقي البلاد العربية أفضل من حالها بين استعمار روسي وايراني وامريكي ….وصهيوني!!

ما شدّ انتباهي في الكتاب ،الذي أخبرني درويش أنّه قرأه قبل نصف قرن حين كان يعمل محررا  في صحيفة الاتحاد التي كانت تصدر في حيفا قبل مغادرته الى الاتحاد السوفياتي، مفارقات عديدة وفصول مجيدة في كفاح قرطاجنة يكاد في وقائعه يقترب موضوعا مما يحدث في بلادنا العربية الآن…

في الغزو الروماني الكبير لمملكة قرطاجنة عام( 151)  قبل الميلاد كانت قرطاجنة متهاوية متهالكة مفتتة بسبب غرقها في البذخ والترف وجمع الذهب لدرجة أن جيشها كان كلّه من المرتزقة عديمي الولاء الا للمال وكانت تستعين بهم لحفظ أمنها وكان مجلس شيوخها منقسما بين تيار صقور ينادي بالحرب على روما في عقر دارها وبين تيار حمائم يميل الى السلام والاستسلام ..وانتصر الفريق الثاني وانشغلت قرطاجنة بمعيشتها عن الحرب لدرجة أنها فقدت مناطق نفوذها في ايطاليا واسبانيا وافريقية،  لتتفاجأ بجيش الرومان يفرض حصارا عليها مما وضع القيادات العسكرية ومجلس الشيوخ وأهل السياسة في موضع حرج حيث ثار الشعب ثورة واحدة وقتل من قتل ودمر ما دمره من تلك الطبقة التي ارادت الاستسلام للغزاة بسبب الحصار وشرط الرحيل الجماعي “الترانسفير ” عن المدينة الذي فرضه الرومان على هذا الشعب ، فهب شعب قرطاجنة رجالا ونساء واقتلعوا بلاط الشوارع وهدموا كثيرا من البيوت والقصور وحملوا أحجارها لتحصين اسوار المملكة واذابوا ما يملكون من حلي فضية وذهبية وتماثيل مقدسة ، رغم انها كانت عزيزة على نفوسهم ، لكن الشعور بالقومية والرغبة الملحة في الحياة والبقاء كان اقوى حتى من الشعور الديني ، فحولوا المعابد الباذخة الى مصانع اسلحة .

أجمل ما في ملحمة “الكفاح القرطاجي” كانت أن المدينة حين احتاج مدافعوها  اوتارا لاقواس الرماية ولقذف السهام اعوزهم شعر الخيل الذين الفوا استخدامه لهذا الغرض فتسابقت النساء لقص شعورهن لهذه الغاية.

وكافحت قرطاجنة أسابيع ولكن الغزاة نجحوا في اقتحام المدينة من جهة الأحياء الراقية ، فاستسلم القائد القرطاجي وركع تحت اقدام نظيره الروماني فبصقت عليه زوجته وصرخت في قائد الرومان ان يذله ويعذبه ولا يقتله ثم فرّت إلى معبد ((أبولو الكبير )) حيث لاذ به أكثر من 4 الآف قرطاجي حر رفضوا الاستسلام للذل وطعنت طفليها  وألقت بهما وبنفسها في النار مع آخرين من سكان قرطاجنة الذين أضرموا النار وماتوا شواء وحرقا مفضلين الموت على الذل والهوان على يد الغزاة..!!

هذه بسالة نحتاج إليها الآن في بلادنا العربية بكل ما في الكلمة من معنى…فكما أنه على هذه الارض ما يستحق الحياة فهو الشيء ذاته الذي يستحق الموت …ألا وهو الارض التي كانت شرط الرومان للصلح حيث اشترط على أهل قرطاجنة الرحيل الى الصحراء والعمل في الزراعة وترك مدينتهم البحرية التجارية!!

لدهشتي الشديدة أنّي في قرائتي الثانية للكتاب اكتشفت سر رائعة محمود درويش  ((على هذه الارض ما يستحق الحياة )) من ديوان (( وردٌ أَقَلْ)) حين قال :

((على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد إبريل، رائحة الخبزِ
في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس ، أول
الحب، عشب على حجرٍ، أمهاتٌ تقفن على خيط ناي، وخوف
الغزاة من الذكرياتْ.
على هذه الأرض ما يستحق الحياةْ: نهايةُ أيلولَ، سيّدةٌ تترُكُ
الأربعين بكامل مشمشها، ساعة الشمس في السجن، غيمٌ يُقلّدُ
سِرباً من الكائنات، هتافاتُ شعب لمن يصعدون إلى حتفهم
باسمين، وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ!!
على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ: على هذه الأرض سيدةُ
الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ
تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة!!))

تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

x

‎قد يُعجبك أيضاً

‘‘المجازر‘‘ المرورية بالطريق الصحراوي تستنفر النشطاء لقرع الجرس

 يرسم اللون الأحمر القاني خطوطه على طول الطريق الصحراوي، مع ازدياد حالات الوفاة، والإصابات التي ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: