الرئيسية / WhatsApp / لا رايات بيضاء في الافق

لا رايات بيضاء في الافق

محمد داودية

كانت احدى العابنا المفضلة لا بل المتاحة، حيث يقيم الأهل، في حارة المعانية غرب محطة السكة الحديد بالمفرق، هي وضع المسامير الطويلة، من عيار 10 سنتيمترات وأية اسلاك نحصل عليها، على قضبان سكة الحديد، في انتظار ان يمر فوقها قطار دمشق- عمان او عمان -دمشق، فيهرسها ويطرقها ويقذفها الينا، ذوات انصالٍ كالمُدى، نثبتها على رأس قطعة خشب طويلة، فتصبح رماحا.

كنا نتبارى في قذف تلك الرماح صوب الأشجار الباسقة المحيطة بمبنى محطة سكة الحديد، التي يقيم فيها الرجل الانيس اللطيف الودود جميل الديخ أبو الوليد، ليشعر بالزهو والنصر، من استقر رمحه في الشجرة وظل عالقا بها، نقلد بذلك افلام الكاوبوي ومقاومة الهنود الحمر للغازي الأبيض الذي لا ترحم بندقيته أحدا من الهنود الحمر اهل البلاد الأصليين.

كان اليهودي هو عدونا، الذي نقذف نحو صدره كل رماحنا بكل حقدنا، في سنوات الغضب والالم والفورة القومية، بسبب احتلال اليهود لفلسطين، الذي ما يزال طازجا، وبسبب العدوان الثلاثي: الإسرائيلي الفرنسي البريطاني على مصر.

لما كبرنا قليلا اصبحت شعارات التحرير والوحدة والاشتراكية، هاجس جيلنا بأكمله. فقلما كنت تعرف معلما لم يكن حزبيا، بعثيا او شيوعيا او اخوانيا او تحريريا او قوميا عربيا. وامتدت عدوى الحزبية في أواخر الخمسينات الى أواخر الستينات، لتشمل معظم طلاب الثانويات في كل مدارس المملكة. وبسبب اليأس، وانحراف البوصلة عن العدو الرئيسي المباشر، فكان العدو هو الحزبي الذي ليس من نفس الحزب. فأصبحت الحِرابُ توجه الى صدره ورأسه.

وبسبب الاستفزازات والاتهامات والشتائم المتبادلة، وانعدام الديمقراطية والتعددية السياسية والتعصب الاعمى والتقليد والانقياد التسليمي وقعت مئات حالات الصدام بين اقطار الامة في مشرقها ومغربها، بين احزابها ونخبها وقياداتها السياسية والعسكرية والأمنية التي تزعم كلها انها ستحرر فلسطين .

في تلك الحقبة السحيقة توجهت الأنظار عن العدو الأساسي للامة، العدو الصهيوني الذي احتل نصف فلسطين ويتطلع الى احتلال نصفها الاخر، واحتلال الأردن أيضا. فهل ما يجري اليوم اقل ام اشد انحرافا وانعطافا عن الأهداف الواضحة وعن عدونا الواقف في الضوء لا في الخفاء ؟

ان الافتراق هائل عن حالة الامة في الستينات، الى الحالة المزرية الراهنة، التي تركنا فيها عدونا يمارس كل أنواع المقارفات المدمرة ضد الشعب العربي الفلسطيني، وبدل مواجهته، سيقت الامة كشلايا الأغنام الى أفغانستان ثم سيقت الى حروب الخليج والى محرقة داعش.

اليوم، بعد ان سيقت الامة الى مهالك سوريا وليبيا واليمن والعراق ومصر والجزائر، تتم الهرولة العربية واللهاث المحموم الى بناء علاقات علنية وسرية وصفقات مشبوهة مع العدو الصهيوني. وبدل ان نمضي الى حتوفنا كشلايا الاغنام المطأطأة رؤوسها غباء وغفلة، تُساق الامةُ الى المسالخ كقطعان الثيران، ليس هذا فحسب، بل وتتزاحم وتتطاحن على بوابات المسالخ الفاغرة، في حالة كسكرات الموت وشهقات النهاية.

ما أشد جبروت الشعب العربي الفلسطيني.
ما أشد جبروت الشعب اليمني والعراقي  والسوري والليبي.
ما اشد جبروت هذه الامة.
لقد تم إدخالها نفقا جديدا مهلكا وبالرغم من كل ما جرى، فلا رايات بيضاء في الأفق.

dnshme@hotmail.com

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السفير الكندي: الأردن يُعلم العالم التنوع.. وعلى الأردنيين الفخر

  ميديا نيوز –  قال السفير الكندي في عمان، بيتر ماكدوغال، إن الأردن يُعلم العالم ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: