الرئيسية / أخبار الأردن / الحراك الأردني والحزب الشيوعي السوفييتي … وقفة مراجعة .!

الحراك الأردني والحزب الشيوعي السوفييتي … وقفة مراجعة .!

R

MNC –   كتب د. محمد أبو بكر

عندما انطلق الحراك الشعبي الأردني منذ ما يقارب الأربع سنوات, سادت حالة من التفاؤل والأمل بإمكانية أن يقوم هذا الحراك بعملية تحريك الراكد في الحياة السياسية الأردنية , وكنا نعتقد أن الحجر الذي تم قذفه في المياه الساكنة سيعمل على إنشاء حلقات أكبر فأكبر وصولا إلى تسريع وتيرة الإصلاح في البلاد , وعلى كافة الصعد , إلا أن ما حدث جعل الحماس في دواخلنا يخبو رويدا رويدا , وهذا ما يعبر عنه عدد كبير من الحراكيين الذين خرجوا منذ اليوم الأول , ولكنهم لم يكملوا العام الاول فعادوا إلى حيث أتوا  . خرج الحراك بمطالب متعددة, وكان مطلب تحقيق الإصلاح السياسي في المقدمة , ثم محاربة الفساد بأشكاله دون تمييز أو محاباة , إضافة إلى مطلب إعادة مقدرات الوطن المنهوبة  , واسترداد الاموال التي سرقت من خزينة الدولة  ,دون وضع تصورات لذلك,ناهيك عن المطالب الفرعية الأخرى, مما أدى إلى قيام العشرات من الحراكات الشبابية والشعبية في مختلف المناطق , حتى تجاوز عددها في فترة من الفترات أكثر من مئة حراك في بلد لا يتجاوز عدد سكانه الستة ملايين نسمة. وبالطبع هذا أدى إلى حالة من الإستغراب سادت الأوساط الشعبية , ونحن نعلم بأن هناك حراكات لا يتجاوز عدد أعضائها أصابع اليدين , وهذه ليست مبالغة أبدا كوني من المطلعين تماما على واقع الحراك لأنني جزء منه ويحظى باحترامي الدائم.  ويرفض العديد من النشطاء في ظل هذا الواقع , مسألة في غاية الأهمية وهي ضرورة توحيد المطالب , وتشكيل مجلس سياسي مشترك أو كما يقترح البعض إنشاء مجلس حكماء,وهذا الرفض أدى بالكثيرين الى الإنكفاء وعدم المشاركة في فعالياته ,حيث وجدوا أن هناك أسبابا تحول دون هذه المشاركة ,ومنها حالة الشخصنة والأنا المتضخمة عند البعض ,ناهيك عن عقدة   البحث عن زعامة مفقودة, وهذا ما أدى إلى امتعاض عدد كبير من النشطاء وعدم  رغبتهم مواصلة العمل الا بعد عودة الامور الى نصابها. مايفترض في اولئك الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم قادة الصف الأول أن يدركوا فشلهم في احتلال هذه المواقع لانهم ليسوا اهلا لها ,بل أصبحت النظرة إليهم على اعتبار أنهم مجموعة من المستفيدين والذين يبحثون عن امتيازات ومغانم ,أو ينتظرون هاتفا من هذه الجهة أو تلك, ولا يخفي أحدهم قوله بأنه على استعداد لتقبل أي شيء , المهم أن لا يخرج خالي الوفاض من الحراك ,كونه من الأشخاص ( المهمين) فيه. هذا الواقع ادى إلى تراجع واضح في الأداء, بعد أن استبشرنا خيرا في العام الأول الذي ما زلنا نتغنى به وبإنجازاته ,وعدم وجود كفاءات يجري تقديمها , وكأني بالحراك قد وقف عند السنة الأولى ومن ثم بدأ يعتمد الأسلوب الروتيني الممل في فعالياته المختلفة التي لم تعد تسمن  أو تغني إلا إذا تغيرت العديد من المعطيات.   ويبدو ان البعض قد تعمّد أن يقود الحراك إلى هذه الحالة من الركود ولا اقول الفشل ,وهؤلاء ساهموا بالوصول الى هذا الواقع الذي لم يكن ليعهده الكثير من النشطاء داخل الحراك,وهؤلاء باتوا اليوم يشعرون بالأسى والحسرة, إلا أنهم يؤكدون دوما بقاء الحراك ولو بثلّة صغيرة صادقة يتم البناء عليها والتعلّم من التجربة الماضية . وبما انني أعتبر نفسي من الذين حاولوا فعل شيء داخله , فالواجب الوطني يحتم علينا إعادة الصواب الى عمله والإستفادة من الدروس وكذلك الأخطاء, فهذه مسيرة سياسية تحتمل الخطأ   والصواب , لا بأس , المهم ان نستقي منها ما يفيد ,فهناك ايجابيات لا بد من تعزيزها  ,وسلبيات يجب تركها تماما ,لأنها في واقع الامر مدمّرة للعمل الحراكي برمته. الحراك الشعبي, حالة سياسية راقية يستدي فهمها جيدا ,والتعامل معها بروح المسؤولية , فالعمل السياسي لا يعني فقط رفع يافطة تحدد فيها مطالبك, أو تطلق العنان للشتم أو الذم , كما يحلو للبعض , فهذا ليس من العمل السياسي بشيء,ولا يمت للأخلاق أبدا ,فالعمل الحراكي هو القائم على معرفة ماذا تريد بالضبط , وما هي مطالبك , وما هو المطلوب من النظام السياسي , إذا أردت لهذا النظام أن يحاورك ضمن مفاوضات هدفها الوصول إلى نتائج ترضي الشعب أولا ولا تؤثر في مصالح الوطن سلبا؟ لم يقدم الحراك الاردني رؤية واضحة لمطالبه، وتفصيلات لهذه الرؤية ولم يعقد مؤتمراً وطنياً جامعاً شاملاً لمناقشة هذه المطالب من مختلف القوى، سواء كانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية او ثقافية، لم يشرك الحراك، ولم يفكر ابداً في التواصل مع تلك القوى، فهناك حالة من (التكفير) لدى البعض بحق الاخرين، وهذا مقتل للحراك برمته. الاصل في الحراك السلمي العقلاني الباحث عن تحقيق الاصلاح وسيادة مبدأ العدالة في البلاد ان ينفتح على الجميع دون استثناء، فهذا هو العمل السياسي الراقي، واذا كان الحراك مقتنعاً بما بين يديه، فلماذا لا يبدأ هذه الحالة والانفتاح؟ ولكن قبل ذلك عليه ان يختار من بين نشطائه من هم بقادرين على حمل رسالته وايصالها بالصورة التي يرغب، واجزم بان الحراك يضم في صفوفه عدداً لا باس به من الاساتذة وحملة الشهادات العليا والاكاديميين والمثقفين، الا ان هؤلاء وللاسف، اثروا الانزواء لصالح من حولوا الحراك او جزءاً منه الى ظاهرة صوتية فقط. قد يكون الحراك اليوم يعاني من كبوة ,وهذا ليس عيبا أبدا , فالحراك ظاهرة جديدة على مجتمعنا , هو يختلف تماما عن العمل الحزبي المنظّم والمؤطر ,ويمكن تجاوز العيوب بصورة كبيرة , من خلال ممارسة النقد الذاتي المؤلم والمؤّثر إذا ما أردنا السير في دروب تقود إلى تحقيق مانريد . والواجب وقبل كل شيء,تسليم زمام الأمور إلى نخبة قادرة على إنقاذ الحراك , بدل حالة الإنكفاء التي يعيشها , والتوقف عن أسلوب الصياح غير المجدي , والكبرياء المزيف الذي يعشعش لدى البعض , والذي يعتقد في نفسه أنه ( جيفارا ) العرب ومحقق آمالها وأمانيها , وهذا ما أشعر نشطاء في الحراك بغرابة المشهد على مدى أربع سنوات , كانت كافية للتعلّم والإستفادة من الأخطاء. الحراك اليوم على مفترق طرق, إما أن يكون أو لا يكون, لا بد من المراجعة الشاملة بعقلانية مع سيادة مبدأ تقبّل الرأي الآخر مهما كان اتجاه هذا الرأي , والتوقف عن حالات التخوين وتهم الإرتباط مع جهات داخلية وخارجية , وإعطاء القوس باريها ,دون شعور بالإنتقاص, فهذا هو العمل السياسي المحترم , إذا ما أردنا للحراك أن يشكّل حالة راقية ومحترمة في حياتنا السياسية , خاصة وأن الحراك لم ينجح في استقطاب المزيد من أبناء شعبنا لأسباب عديدة يعلمها كل الحراكيين , الذين عليهم اليوم أن يدركوا الواقع جيدا , وأن لا يجعلوا من أنفسهم خارج الزمن والأحداث. فما زال هناك أمل في المراجعة الجادة والحقيقية , ولا أعتقد  أن أهمية الحراك الأردني تفوق أهمية الحزب الشيوعي السوفييتي الذي يضم الملايين من الأعضاء , ولكنه وجد ضرورة وأهمية المراجعة لمبادئه وأفكاره وعلاقاته مع الآخرين, فلا أحد يرغب بحالة الجمود , لأنها هي نفسها الإنجماد الذي يصيب الأوصال وسائر الجسد,فلا يجعلنا بقادرين على الحركة حتى نصاب بالشلل , وهذا ما لا نريده لا للحراك الأردني ولا حتى لأحزابنا السياسية التي استساغت هذا السبات العميق , لعلها تفيق يوما ما منه .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الملك يعود إلى أرض الوطن

ميديا نيوز – عمان – بترا –  عاد جلالة الملك عبدالله الثاني إلى أرض الوطن، ...

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: