الرئيسية / WhatsApp / يوميات مدير مدرسة (حلقة “1+2”)

يوميات مدير مدرسة (حلقة “1+2”)

بقلم الدكتور محمد أبوعمارة
مدير عام مدارس الرأي

راجعتني معلمة حديثة العمل في المدرسة لتشكو لي أحد أولياء الأمور –المزعجين- وقالت: دكتور
– نعم
– لقد جاء أحد أولياء الأمور وسألني في اليوم الأول من الدوام عن ابنه الذي سأدرسه في الصف الأول ولم أكن أعرفه طبعاً فأخبرته بأنني سأتعرف عليه وسأعطيه جُلّ اهتمامي وسأراعي متطلباته.
– طيب، وما المزعج في ذلك، فجميع أولياء الأمور يوصون بأطفالهم ويودون أن يسمعوا عبارات الطمأنينه من المعلمين والمعلمات.
– انتظر دكتور لم أنه حديثي
– تفضلي.
– وفي اليوم الثاني جاء صباحاً وقال صباح الخير، كيف مستوى علي؟!
– فأخبرته بأنه طفل جميل ومميز، وأنه اندمج مع زملاءه وأنني اعتنيت به كثيراً يوم أمس.
– حسناً، وأين الإزعاج؟
– انتظر دكتور، وفي اليوم الثالث سألني: هل تطور مستوى علي فأجبته ماشاء الله عليه وأوصاني به.
وفي اليوم الرابع استقبلني مبكراً وقال لي: كيف أصبح علي؟! هل تطور مستواه؟! فلم أجد كلمات لأقولها له فقلت له : نعم ما شاء الله، وفي اليوم الخامس حاولت الإختباء منه حتى لا أراه ولكنه فاجأني بأنه كان ينتظرني على باب الغرفة الصفية ليسألني كيف علي اليوم؟! … وهكذا يستقبلني كل يوم وبنفس السؤال حاولت أن أوضح له أن الطفل لا يظهر عليه التقدم في التعليم خلال (24 ساعة) وأنه بحاجة لمدة زمنية وأن عليه أن ينتظر للفترة التقويمية الأولى حتى يرى النتائج، ولكن ذلك أيضاً لم يمنعه من أن يسألني كل يوم نفس السؤال وبنفس الإلحاح – كيف صار علي ؟! – فماذا أفعل؟؟
سرحت بتفكيري الشيطاني وظننت أن ولي أمر علي يسعى لمعاكسة المعلمة والموضوع ليس موضوع علي وإنما هو –رزالة وقلة حيا- فقلت لها غداً سآتي معك لأرى من هو أبو علي واتركي لي الموضوع، وفي اليوم التالي ذهبت صباحاً لأرى المعلمة التي كانت تنتظرني بلهفة وقبل أن أصلها وقعت عن الدرج وأصيبت قدمي ومع ذلك أصريت على أن أذهب لرؤية أبو علي…
ذهبت وأنا أمشي وأتألم وأجرّ أقدامي من ألم السقوط عن الدرج، وشاهدت أبوعلي – وعندما رآني: أهلاً دكتور سلامات، مالك ؟؟
– لقد تعثرت عن الدرج.
– سلامات ألف سلامة هل آخذك للطبيب .
– لا، لابأس الحمد لله، هل استطيع أن أقدم لك أي خدمة –سيد أبوعلي-
– نعم لقد جئت لأسأل عن طفلي علي
– ما رأيك أن تأتي لمكتبي وتسألني أنا عنه، وسأعد لك تقريراًعن تطوره، لأن المعلمة لديها أعباء كثيرة وقد لا تستطيع منحك الوقت الكافي.
– لا بأس أشكرك لإهتمامك …
ونظرت للمعلمة التي غمرتها السعادة… وظهر ذلك جلياً عليها.
وفي صباح اليوم الثاني، حضرت للمدرسة فوجدت أبو علي بالباب: دكتور طمني عن رجلك.
– الحمد لله،
– لماذا لم تتركني آخذك للطبيب
– الموضوع بسيط ولا يحتاج لطبيب
– فقد جئت لأطمئن عليك
– كل الشكر يا عزيزي
وفي اليوم الثاني، وما أن نزلت من السيارة وإذ بأبو علي: دكتور، كيف رجلك
– ممتازة والحمد لله
– ريتك خليتني اخذك على الدكتور
– اشكرك على نبل مشاعرك
وفي اليوم الثالث، دكتور ماشاء الله مشيتك ممتازة –لا هيك تطمنت على رجلك-
– الحمد لله، اشكرك
وفي اليوم الرابع، نظر إلي وصفق، ما شاء الله مشية غزال، طمني عنك كيف اليوم؟
– أجبت والضيق يقفز من عيني الحمد لله يا أبو علي، رجلي ممتازة وكلي ممتاز.
وفي اليوم الخامس، رمقته ينتظرني فذهبت إليه ومنعته من الكلام وأمسكته من يده وقبل أن يتحدث مشيت معه لعند المعلمة سوسن وقلت له، الا تريد أن تطمأن على علي، وناديت المعلمة وقلت لها : هذا الاسبوع دورك…
سوف يطمأن فيه أبو علي على علي وتركته مع المعلمة والتي كاد أن يصيبها انهيار عصبي وغادرت مسرعاً أو هارباً والابتسامة وشعور بالانتصار يغمرني

(حلقة 2)

في أحد أيام الدوام الاعتيادية وصلت صباحاً وبعد حضور الطابور الصباحي لمكتبي لتستقبلني السكرتيرة…
– دكتور هناك أحد أولياء الأمور ينتظرك منذ زمن بعيد.
– وماذا يريد
– لا أدري ولكنه يتظلم من معلمات ابنته ويقول أنهم يظلمنها دوماً بالعلامات، والمعاملات وهكذا…
– ولماذا لا تحوليه لمسؤولة القسم؟
– هو مصرٌّ على مقابلتك أنت…
– مقابلتي أنا …
– نعم يريد أن يقابل الرأس الكبير…
– ههههههه حسنأ دعيه يدخل.
ويدخل ولي الأمر الذي تبدو سيم الانفعال الشديد عليه…
– اسعد الله صباحك يا دكتور –وقبل أن اجيب يواصل- هل يرضيك ان يُظلم ويُقمع طالب لديك –وقبل أن أتكلم- هل من المنطق أن ترسب بنتي فقط لأن المعلمة لا تحبها تخيل أن ابنتي كانت الأولى في العام الماضي في المدرسة السابقة وهي الان راسبة لديك ولماذا … لا أدري
– ولكن … ولكنه قاطعني
– المعلمة بتقول انها ضعيفة جداً، كيف ضعيفة يا أخي وهي أحسن من المعلمة نفسها ولكنها غيرة بنات تغار نعلمة من ابنتي باللمهزلة طول عمري بكره البنات وغيرتهن… والله لأنقلها لمدرسة أولاد علّها تنصف!!
وهنا اضطررت لأن أستخدم أسلوبه وأقاطعه بصوت مرتفع
– انتظر يا أخي ودعنا نرتب الاوراق حتى نعالج المشكلة، ما اسم ابنتك
– اسمها سارة
– بأي صف
– الخامس
– هل معك علاماتها
– نعم وها هي شهادتها الشهرية
وهنا كانت الصاعقة، فهي راسبة في جميع المواد … وعلاماتها جميعها تقترب من الصفر…. اتصلت برئيسة القسم وطلبت منها الحضور، وعندما وصلت سَلّمت على أبو سارة وكان من الواضح جلياً أنها تعرفه جيداً وقبل أن تتحدث إلي طلبت أن أخرج لأتحدث معها على انفراد خارج المكتب وبالفعل هذا ما كان، فأخبرتني بأن الطالبة تعاني من تشتت انتباه ونشاط زائد مصحوباً ببطء تعلم شديد، وهي حالة خاصة وتحتاج لرعاية خاصة وإن هذا هو تشخيص المختصة، وأن ولي الأمر يريد من المعلمات وضع علامات كاملة لإبنته وهي لا تستحق ويرفض بأن يستوعب أن ابنته هي حالة خاصة… ومن الخطأ أصلاً قبولها في مدرستنا لأنها تحتاج لمركز تربية خاصة ولكن الأب يخجل أن يمر باص تربية خاصة لنقل ابنته من امام جيرانه لذلك سجل ابنته دون أن نقوم بتقييمها وادعى أنها طبيعية وأن علاماتها حقيقية.
عدت إلى المكتب ليفاجئني الرجل بعبارة “شو غسلتلك مخك”
– فأجبت من هي ؟! ولماذا تغسل مخي؟! فهل هو متسخ؟!
– فأجاب: قصدي –المعلمة هاي- أكيد حكتلك أنه بنتي عندها مشاكل وضعيفة وحالة خاصة…
– أيقنت أنا حجم المشكلة وأن الرجل مازال في مرحلة الإنكار، فهو ولغاية الآن لم يتقبل حالة ابنته ومازال ينكر ذلك، وهذه الحالة نعاني معها أكبر معاناه، حاولت امتصاصه بعبارت التهدئة وأنني سآخذ له حقه وطلبت منهم إحضار الطالبة (سارة) لأراها وبالفعل جائت (سارة) وطلبت منها الجلوس ليقابلها والدها ويقول: بقولو يا بابا انك ما بتعرفي تقرأي وأثناء ذلك كانت سارة تعبث بالأوراق الموجودة على مكتبي:
– قلت لها حبيبتي سارة اتركي الاوراق والجداول.
– واستمر والدها باء وألف وباء وألف ماذا تصبح فتقول سارة وهي تعبث بالمكبس (بابا) ويستمر الوالد (ميم وألف وميم وألف) ماذا تصبح (ماما) واثناء ذلك تمزق سارة الأوراق الموجودة على المكتب.
– سارة حبيبتي ضعي الأوراق ولا تمزقيها.
– هل رأيت أنها تقرأ أحسن من المعلمة ولذلك فهي تغار من تفوقها.
– تطور الموضوع مع سارة لتقف على الكرسي وتقفز على الطاولة وتكاد أن تنتحر.
– سارة … سارة اهدأي يا طفلتي واقعدي هنا بجانب والد
– اعتقد أن سارة تحتاج إلى عناية خاصة وإلى إعادة تقويم ولكن ما شاء الله عنها مثل القمر
– لماذا تتحدث هكذا يا دكتور هل لأنها تتحرك، أنا لا أحب الطفل الهادئ والتربية الحديثة تهدف لأن يتحرك الطفل لا أن يبقى كالجماد.
– ممكن تمسك سارة لغاية ما اشرحلك
– بابا (سارة) تعالي هون وأثناء ذلك اسقطت سارة أول لوحة معلقة على الجدار في المكتب ركضت لألتقطها ولكن بعد فوات الأوان كانت قد سقطت وتكسرت.
– “انكسر الشر”… يجب أن نختبر سارة ونحدد مستواها وبعد ذلك تقدم لها خدمة خاصة ترتقي بمستواها وذلك ليس انتقاصاً لا منك ولا منها – ما شاء الله عنها مثل العسل- وأثناء ذلك قلبت جميع كتب المكتبة، وأسقطت اللوحة الثانية، فركضت نحوها وأمسكت اللوحة المكتوب اسمي عليها والتي كادن ان تقذف بها علي وقلت حبيبتي سارة حبيبتي أنتِ اهدأي..
– طيب ليش مرسبينها لـ(سارة)
– والله يا أخي اذا كانت (سارة) بنتك هيك بالصف مش عارف كيف بداومو.
– شو قصدك يعني، أنت شايف أنه بنتي فيها اشي مثلاً.
– لا والله احنا اللي فينا اشي وسارة طبيعية بس ممكن تاخذ سارة وأنا بعالج الموضوع وهنا ركضت سارة وقفزت لترتطم بخزانة الملفات الحديدية وتسقط الكؤوس الموجودة فوقها.
– طيب ليش انت شايف انها ما بتقرأ مثلاً …. بابا سارة (باء وألف وباء وألف شو بتصير وتصيح صارة وأنا معها بابا)
سارة (ميم وألف وميم وألف شو بتصير) فصرخت أنا ماما ماما ماما….
– والله يا أخي سارة مبدعة واحنا المجانين وهاي المعلمة رح احاسبها وركضت مغادراً المكتب تاركاً له هو وسارة مجالاً أكبر للنقاش ولتدمير ما تبقى من أثاث.

تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

x

‎قد يُعجبك أيضاً

‘المنسف’ سيد ضيافة العيد فى الكرك

لايزال “المنسف” المعمول باللحم والأرز او جريش القمح الأكثر شيوعا وسيد الأكلات الشعبية في العيد ...

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: