الرئيسية / WhatsApp / هل استعادت الولايات المتحدة كرامتها عندما قامت بقصف دير الزور بالخطأ؟

هل استعادت الولايات المتحدة كرامتها عندما قامت بقصف دير الزور بالخطأ؟

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوبد. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

الاتفاق بين لافروف وكيري اتفاق يعطي النظام السوري السيطرة على كامل التراب السوري، وهو الاتفاق الثاني بعد الاتفاق النووي الذي انتصرت فيه إيران وروسيا، على الولايات المتحدة ودول المنطقة.

لكن هذه المرة انقلب البنتاغون على هذا الاتفاق وعارضه بكل شدة لمحاصرة روسيا المنكشفة في سوريا حتى لا تقفز إلى العراق وليبيا واليمن ولبنان عندها تكون الولايات المتحدة قد فاتها القطار خصوصا وأن روسيا تمتلك أسلحة تقليدية ورؤؤس نووية تدميرية.

ونتيجة لقصف التحالف بالخطأ لدير الزور أدى إلى حدوث تراشق أميركي – روسي في الجلسة الطارئة التي عقدها مجلس الأمن في 17/9/2016 بعد أن قتل التحالف 90 جنديا سوريا في دير الزو الذي تقوده الولايات المتحدة، وخرجت سامانتا باور سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة من الجلسة، بينما كان المندوب الروسي فيتالي تشوركين يتحدث لأعضاء مجلس الأمن، وأبدت عدم اكتراثها لما سيقوله تشوركين الذي تهكم وقال من يدير السياسات عندكم البيت الأبيض أم البنتاغون؟، وقالت باور للصحفيين بعد مغادرتها الجلسة بأن روسيا تمارس الألاعيب والنفاق، وتحاول مثل السحرة أن تخلق نوعا من التضليل لتشتيت الأنظار عن جرائم النظام السوري، واتهمت المندوبة الأميركية روسيا بعدم الالتزام بدورها في الاتفاق التي أمض الجانبان الأمريكي والروسي شهورا طويلة من المفاوضات للتوصل إليه.

images
وسخرت باور من دعوة روسيا لعقد الجلسة الطارئة بمجلس الأمن لمناقشة الضربات الأميركية في دير الزور، وقالت هذه الألاعيب ونفاق فريد من نوعه، وقالت منذ عام 2011 قام نظام الأسد بضرب أهداف مدنية عمدا، ومنع قوافل المساعدات الإنسانية من الوصول للمحتاجين، واستخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه عشرات المرات، وروسيا لم تعرب عن غضبها أو تطلب تحقيقا أو عقد جلسة طارئة لمناقشة فظائع النظام السوري، وهي منذ عام 2015 تساند روسيا النظام السوري في قصف مدنيين والمستشفيات والأسواق، وسخرت باور قائلة بجدية هل يدعون حقا لجلسة طارئة لمناقشة قصف تم بالخطأ، واعترفنا بأننا سنحقق فيه.

خسرت الولايات المتحدة حلفاء مهمين في الشرق الأوسط خصوصا السعودية التي تحولت إلى تشكيل تحالفات عربية وإسلامية دبلوماسية وعسكرية، ويمكن أن تقيم تحالفا سعوديا صينيا على حساب التواجد الأمريكي في المنطقة، حيث تكون استراتيجية أوباما تركيز انتباهه على منطقة آسيا من أجل مواجهة التمدد الصيني قد تكون السعودية أفشلت تلك الاستراتيجية، بل حتى الباكستان اتجهت نجو الصين.

السياسيون في أمريكا يتجهون نحو إعادة التفكير في تلك الاستراتيجية في الفترة المتبقية لرئاسة أوباما، وخصوصا هي إنذار للرئيس المقبل الذي يحل في البيت الأبيض، من أجل مراجعة كافة الاستراتيجيات التي وقعها أوباما بما فيها الاتفاق النووي مع إيران، وحتى الاتفاق بين لافروف وكيري الذي لم يحقق حتى دخول المساعدات الإنسانية خشية من فتح ممرات تستغلها المعارضة من أجل إعادة تموضعها، واستعادة قوتها.

وحتى فرضية تحييد الخلاف حول مصير الأسد لم ينجح الاتفاق من تحقيقها، من أجل استكشاف سبل الحل السياسي في سوريا، رغم أن البعض يعتبر أن المسكوت عنه والسري هو الاعتراف الضمني بالأسد ونظامه، وهو ما جعل البنتاغون يعترض على هذا الاتفاق الذي يجعل الولايات المتحدة تخسر أهم حليفين في المنطقة السعودية وتركيا، رغم أن تركيا بعد تطبيع علاقتها مع روسيا وتوتر علاقتها مع الغرب وخصوصا مع الولايات المتحدة الذي يجعل الولايات المتحدة تتغاضى عنها في المرحلة الحالية، فهي الوحيدة التي تهئ المعارضة السورية الموالية لها في التوسع إلى أكثر من خمسة أضعاف المنطقة الخاضعة لها حاليا والتحرك نحو بلدة الباب التي يسيطر عليها داعش.

1-675826_2
وصرح أردوغان في اسطنبول قبل سفره إلى نيويورك حيث من المقرر أن يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال إن المنطقة الآمنة التي تقيمها تركيا على الحدود يمكن في النهاية أن تمتد على مساحة تصل إلى خمسة آلاف كيلو متر مربع بعدما شنت عملية عسكرية أطلقت عليها أسم درع الفرات، ليس فقط من أجل طرد داعش بل من أجل وقف تقدم الأكراد وهي منطقة تبلغ 900 كيلو متر مربع تم تحريرها من داعش.

بعد تحرير جرابلس والراعي، بل أجبرت المعارضة السورية من منع قوات أميركية خاصة من دخول بلدة الراعي وأجبروا على التراجع والانسحاب باتجاه الحدود التركية، وتحاول تركيا تقنع الغرب بتوسيع المنطقة الآمنة من أجل كبح موجة الهجرة التي سببت لها توتر مع أوربا، وهو ما يقلق إيران بشكل خاص بل أخبرت روسيا تركيا قلقها من التمدد التركي داخل الأراضي السورية، لكن حتى روسيا لا تريد إغضاب تركيا حفاظا على مصالحها المستقبلية مع تركيا.

صمود المعارضة السورية أدهش العالم رغم الدعم العسكري واللوجستي الإيراني المقدم للنظام السوري المدعوم عسكريا وجويا من قبل روسيا سمي بالعدوان الثلاثي، مقابل تراخي أمريكي والذي لم يفي بوعوده للمعارضة.

نتيجة تلك السياسة خسرت الولايات المتحدة تركيا واستعادة علاقاتها مع روسيا وهي تخطط لتصبح مركزا للطاقة عبر التعاون مع روسيا بعيدا عن الولايات المتحدة التي كانت تطمح لجعلها مركزا لتصدير الغاز الطبيعي من الشرق الأوسط إلى أوربا بديلا لروسيا.

يبدو أن البنتاغون استعاد كرامة الولايات المتحدة التي مرغتها روسيا في التراب، ولن تترك لوزارة الخارجية قيادة المفاوضات الأخيرة بين موسكو وواشنطن، رغم ذلك لا تريد الولايات المتحدة أن تصطدم مع روسيا بعدما اعترفت أنها ضرب دير الزور بالخطأ، بل اعتذرت عن هذه الضربة، واعتبرتها نتيجة غياب التنسيق بين البلدين، ولن تغير كثيرا بين القوتين في إدارة الحرب في سوريا، والرسالة الوحيدة التي أراد البنتاغون إرسالها لموسكو وحتى لإيران بأنهما غير قادرين على استغلال الفترة المتبقية للرئيس أوباما واستثمار انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات الرئاسية.

البنتاغون أدرك أن اتفاق لافروف كيري سيكون بمثابة اتفاق يخالف مطالب حلفاء أمريكا السعودية وتركيا وبعض دول الخليج، ما يعني أن سياسة أوباما تأسست على التحالف مع الأعداء والابتعاد عن الحلفاء، وهذا الاتفاق لن يرضى البنتاغون في الزمن الضائع في أن يستمر أوباما في أخطائه الاستراتيجية حتى مجئ رئيس جديد يتولى دفة الحكم، وهم متأكدون بأن تكون السياسة الخارجية للرئيس الجديد مختلفة عن السياسة الخارجية للرئيس أوباما.

خصوصا بعدما بدأت تتضح أخطاء استراتيجية أوباما، وبدأ يتساءل البنتاغون كيف أن سياسة أوباما الواقعية في تجلياتها أن تضع روسيا دولة من الدرجة الثانية، وفرضت عليها عقوبات اقتصادية، لكن في المقابل أوباما ينسق مع روسيا تفاصيل عملياته في الشرق الأوسط، وهي سياسة يرفضها البنتاغون، خصوصا وأنه يرفض أن يجعل أوباما روسيا ندا للولايات المتحدة بحجة أنه لا يريد تصادما مع روسيا، بينما روسيا درست نفسية أوباما بأنه لا يريد توريط الولايات المتحدة في حرب خارجية.

بينما فرح أوباما من روسيا من وقف ضرب النظام السوري عندما اخترق الخطوط الحمراء باستخدام السلاح الكيماوي، عندما تدخلت روسيا وأدارت تفريغ سوريا من السلاح الكيماوي، بل نجد أوباما يشكر روسيا ويثمن لها دورها في حل المشروع النووي الإيراني سلميا.

نتيجة سياسة أوباما جعل أمريكا تحاكم حليفها السعودية بتهمة الإرهاب، رغم تبرئتها من أحداث 11 سبتمبر 2001، وتصادق عدوتها إيران رغم ثبوت تهمة الإرهاب بها، وهو يبحث عن توازن مختل في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا في منطقة الخليج بتأجيج الصراع بين أكبر دولتين، أي أن البنتاغون يتابع سياسة أوباما المنتهية ولايته ويرى بأن سياسته كانت مشوشة، ولها تداعيات على أمريكا والعالم وتؤدي تلك السياسة إلى انفراط قطبيتها الآحادية واستبدالها بأقطاب متعددة.

استراتيجية أوباما المشوشة لم تحدد قواعد اللعبة بسبب العلاقات الروسية الأمريكية من التوصل إلى إطار عمل استراتيجي بحيث يمكن أن يضفي الاستقرار الذي لم تتحدد ملامحه، بل إن البنتاغون ينظر إلى الروس بأنهم استغلوا استراتيجية أوباما المشوشة وتحولوا إلى قراصنة يرفعون السقف لأبعد مدى على حساب مصالح الولايات المتحدة وقدراتها بالنسبة لهم.

وكما في النقاشات الاستراتيجية ثمة انقسام بين الصقور والحمائم داخل الولايات المتحدة بأن أمريكا تتعرض إلى ابتزاز من قبل الروس، خصوصا وأنها تتعرض لهجمات الكترونية، ولكنها لا تتصرف مع روسيا على غرار التصرف مع عمليات القرصنة الصينية والكورية الشمالية.

رغم أن السياسيين في أمريكا يعترفون بأن التوازن في التهديد النووي أفسح المجال أخيرا لاتفاقات الحد من التسلح التي دعمت الاستقرار، لكنهم يرون أن هذا النموذج ربما لن ينجح في الفضاء الإلكتروني، ومثل هذه الاتفاقات لن يكون من الممكن احترامها في عالم من الممكن فيه للمحاربين الإلكترونيين إعادة ملء ترسانتهم من خلال فروعهم المحلية، كما إيران في الاتفاق النووي الذي وقعته مع الغرب، أي أنهم يعتبرون أن فترة أوباما فترة فوضوية من الشد والجذب والتي مثلت تحد كبير لرئاسة باراك أوباما.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
Dr_mahboob1@hotmail.com

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تنقلات في الامن العام – أسماء

ميديا نيوز – قرر مدير الامن العام اللواء احمد الفقية اجراء تنقلات شملت تعيين ضباط ...

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: