هل أنت من بلدة لم يحاول أحد رجالها إشعال النار بنفسه.. ولا تخاف من حاكمك ولا تتخيّل الكرباج أو السجن والإعدام؟.. إن كان جوابك النفي القاطع فأنت!.. عرسان في “قفص الموت” على طريقة داعش.. ليلة القبض على صافيناز.. يهودي استفزّني!

 

yyy776699 00

لطيفة اغبارية:

هل أنت محترم في وطنك؟

يصادف اليوم، الثامن من آذار، يوم المرأة العالميّ، رغم أنّني لا أحبّذ هذه الأيّام فنحن لا نرغب في اختزال يوم معيّن في السنة وجعله عيدًا لذكرى أو مناسبة معيّنة، مثل عيد “الأم” الذي يصادف أيضًا هذا الشهر، لأنّ احترام المرأة ومنحها الفرص للعمل والعلم والتقدم ليس منّة بل حقّ.

 لكن السؤال ماذا بعد الاحتفال بهذه الأيّام وإعادة تكرار المصطلحات الفضفاضة والشعارات الرنّانة، والتغنّي بها، ثم ينتهي اليوم بأفضل الأحوال بتوزيع الورود على النساء مع بطاقة  معايدة صغيرة، أو “قيام” بعض الفضائيات بتخصيص برامج معزّزة بالأرقام والإحصائيات “المخيفة” لإظهار معاناة المرأة والتمييز بينها وبين الرجل في مجالات شتًى، وأنّها مُستضعفة وليس لها حقوق، مثل قيادة المركبة.

لكنّني تذكّرت جملة الزميل الإعلامي السوريّ  الدكتور محيي الدين اللاذقاني، الذي سألته عندما أجريت معه مقابلة صحافية في لندن، جملة من المواضيع بضمنها رأيه في المرأة والرجل، وأيّهما يعاني من الإجحاف؟ فأجاب:” الرجال العرب ليست لهم حقوق، وبالتّالي كلّنا نساء”. وهذا صحيح إلى حدّ كبير، ونحن لا ننكر أنّ المرأة هي الحلقة الأضعف بكل الأحوال، ولا مجال لتعداد التمييز والعنف وغيره ضدّها. لكن عزيزي القارئ أو المواطن عليك أن تسأل نفسك عدّة أسئلة: هل تشعر بحرية التعبير في بلدك؟ ولا تخاف من حاكمك ولا تتخيّل الكرباج أو السجن والقتل؟ وهل فرصتك في التقدّم والعمل مفتوحة على غاربها؟ وهل يتم تعيينك حسب شهادتك وكفاءتك؟ هل أنت من بلدة لم يحاول أحد رجالها إشعال النار بنفسه، أو وضع حدّ لحياته بعدما بلغ به اليأس″والقرف” من الوضع المعيشي المزري المُذّل؟ ألم تفكّر مرّة بحزم أمتعتك والرحيل لبلدة أخرى؟ هل تستيقظ كل يوم مبتسمًا في وجه أولادك وزوجتك؟ وهل تشعر”بالسعادة” تغمرك عندما تذهب لتسديد التزاماتك؟ أو عندما يطلب أولادك منك مصروفهم اليوميّ؟  هل تحلم بمنزل متواضع أو بتوفير ثمن مهر عروسك المستقبليّة بعد أن غزا الشيب رأسك؟ فإن كانت أجوبتك بالنفي القاطع، فأنت فعلا إنسان محظوظ، وتعيش في دولة محترمة وغالبًا هي ليست دولة “عربيّة” (والله أعلم!)، وأنت في وضع “تُحسد”عليه، وهنيئا لك، وعليك الآن ألّا تكون أنانيًّا، ووجب مطالبتك بتحقيق المساواة للمرأة التي “ابتلعها” الرجال لصالحهم ولرفاهيتهم.

زوجة داعمة

هناك من يردّ من باب الدعابة على المقولة” وراء كل رجل عظيم امرأة”،” وراء كل رجل فاشل امرأة نكديّة”، وإن كانت الجملة الثانية صحيحة في حالات معيّنة، لكنّ الجملة الأولى هي الدارجة وهي التي نؤمن بها، لما نعرفه من قصص لنجاح رجال بفضل أمّهاتهم وزوجاتهم، والحالة التي سنتحدّث عنها تجسّد دور المرأة البنّاء وأهميته في نجاح الرجل.

القصة عرضتها قناة ألـ mbc في برنامج “كلام نواعم”، عندما استضافت مصمّم الأزياء السعودي لؤي نسيم، الذي أسّس شركة “لومار” لتصميم الأزياء في السعوديّة، والفضل كما تحدّث الرجل يعود لزوجته منى الحداد التي لم يتغير حبّه لها بعد زواج دام 24 عامًا.

وتحدّثا عن البدايات الصعبة في تأسيسهما لهذه الشركة التي قامت بتطوير الزيّ السعودي التقليدي وينفس الوقت حفاظه على الأصالة والحضارة، فوقفت زوجته  لجانبه منذ البداية وشجّعته وبخاصّة عندما واجه الصعوبات في عدم تقبّل الناس للتغيير في الزيّ، فكانت بدايتهما في التعاون مع خيّاط واحد فقط في منزلهم، وانتهت بـ 25 خيّاطًا، وبطموحهم  المستمر للوصول لكل أرجاء المملكة.

قد تبدو القصة السابقة متواضعة مع احترامي الشديد للمرأة وتقديري لدورها، لكنّني أعرف قصصًا كثيرة من واقعنا الفلسطيني، لا مجال لتعدادها هنا، لسيّدات كثيرات قمن بالتضحية وتربية الأبناء في ظروف اقتصادية صعبة، بعدما استشهد الزوج والأبناء، كما السيّدة المسّنة التي زرتها مؤخّرا في مخيم “نور شمس″  في مدينة طولكرم، واستشهد العديد من أولادها، وتعيش في غرفة متواضعة أرضيتها من الباطون، لكنّك تشعر بكم التضحية التي قامت بها هذه السيدة  بعد وفاة زوجها، حتى كبر أولادها، وتشعر بوعيها الكبير وهي تتحدث عن الأرض والوطن الذي شاهدناه على خارطة وصور العديد من المدن الفلسطينيّة  التي علّقتها على الحيطان المليئة بالحفر، وعندما نقول إنّ شعبنا الفلسطيني فيه (صفر) أميّة يستعجب بعضهم كيف ذلك!

عرس في قفص

لم أجد أسخف من فكرة لإحياء حفلة زفاف كهذه التي قام بها أهالي            “عروسين” بمحافظة المنوفيّة في مصر، عندما وضعوا كل منهما في قفص حديدي شبيه بالقفص الذي أعدم فيه الطيّار الأردني معاذ الكساسبة، فيما التّف “المعازيم” حول القفص يتراقصون!.

صاحب الفكرة “الإبداعيّة” هذه، هو العريس الدكتور أحمد شحاتة الذي تحدّث في برنامج “العاشرة مساء” مع وائل الإبراشي على قناة “دريم”، قائلا له بأنّ هذه الفكرة راودته عندما قرّر إحياء حفل بطريقة غير تقليدية، فاستغل “هَوَس″ الناس ووسائل الإعلام بالحديث عن ممارسات داعش؛ لكنّه أراد أن يقلب سياسة داعش في العنف والإعدام والرسالة السيّئة التي نقلتها للعالم من خلال عملياتها البشعة، ليحوّل “قفص الموت” إلى” قفص الزوجيّة” المليء بالفرح والسلام على حدّ قوله، وقام بنشر هذا الفيديو على صفحته الشخصية”الفيسبوك” ولم يقصد من وراء ذلك الشهرة، وهذا ما أشكّ فيه، لأنّه بحث عن طريقة غريبة لإحياء زفافه مُتّبعًا القول”خالف تُعرف”!.

أمّا العروس الدكتورة شيماء ضيف، التي لم تعرف ما خطّط له عريسها، فقد فوجئت ببعض الأشخاص الملثمين، والذين يحملون السيوف، يسحبون زوجها، وشعرت بالخوف في البداية، ولكنّها اطمأنت بعد أن شاهدت والدها بينهم،  ثم بدأت بعدها مراسم الزفاف والرقص داخل القفص.

بصراحة، لم أستسغ مثل هذا “الفرح” الغريب، ولم أجد فيه شيئا مميّزًا، كما وأنّني استغربت من سؤال الإبراشي للعريس إذا ما كان يخاف على حياته في حال قيام داعش بتهديده، لأنّه أحيى زفافه بالقفص، فلا داعٍ برأيي لهذا السؤال، لأنّ داعش بالتأكيد “فرحت” هي أيضًا بأنّ لـ”فيديوهاتها” جمهور عريض يتفرّجون وينشغلون.

الراقصة والعدالة

الموضوع الثاني والذي حظي باهتمام إعلامي مصري واسع هو تهمة إهانة علم المحروسة من قبل الراقصة الأرمينيّة “صافيناز″، وفي البرنامج السابق ذاته “العاشرة مساء”، الذي يقدمّه أيضًا وائل الإبراشي والذي  قام بفتح باب المداخلات والتعليقات أمام الجمهور للإدلاء برأيهم، إذا كان لفّ جسد صافيناز بالعلم “وهزّ الوسط على الواحدة ونص” أمر يغتفر له، أم هو اهانة فعليّة؟.

وتنوّعت الآراء والتحليلات، ما بين كون الرقص بالعلم دلالة على حبّها لمصر، ولا ضير في ذلك، وما بين رفض هذه”الفعلة” التي تعتبر اهانة لمصر وتاريخها العريق، إلى أن جاء القول الفصل من  متصل قال إنّه “مأذون شرعي” من سوهاج والذي منحها “صكّ الغفران” عندما أفتى بالقول:” هي بريئة 100%” لأنّ الأمر متعلق بنيّتها، رغم اهانتها الشكليّة للعلم.

لن نخوض ونحلّل في نيّة الراقصة، التي قد تكون نواياها أصدق بكثير من السيّاسيين، وربما هي نابعة فعلا من حبّها لمصر، لكنّنا نقلنا هذه “الواقعة” والطنّة والرّنة حولها، لنطلعكم على اهتمامات الإعلام المصري بسفائف الأمور، وعلى قول المثل” الفاضي بيعمل قاضي”، فالهدف من هذه “الضجّة” هو إشغال الناس وإلهائهم عن قضايا البطالة والجوع والفقر، والتسريبات، ومع احترامي للعلم وأهميّته، لكن أين هي الاهتمامات بكرامة المواطن والإنسان، ويا حبّذا لو يقوم الإعلام المصريّ بالتركيز عليها وهي التي “تُنتهك” يوميًّا، ومعاقبة كل من يهين “الغلابة” والانتصار للمظلومين، لكن إن كان حاكمك ظالمك فلمن تلجأ؟!.

يهودي استفزّني!

وإن كان ما سأكتبه الآن لا يمتّ بصلة لطبيعة هذه الزاوية ونرجو أن “يتفهمّنا” “أبو خالد” ولا يعتب! فهناك أشياء نرغب في كتابتها للعبرة، ولا أحب أن تبقى  تجول في مخيلتي فقط دون مشاركة الآخرين بها.

 قبل يومين كنت في جولة بين أحضان الطبيعة مع الأهل، في غابة تقرب من قرية “اجزم” المهجّرة في قضاء حيفا، وبدأت والدتي تتأمل البحر والجبال، والأشجار، والأبنية الشاهقة من بعيد، التي بُنيت على جماجم العرب،  وتتساءل كما كلّ مرّة  لدرجة “الندب” والبكاء” أحيانًا كيف ولماذا أصبحت كل هذه الأرض لليهود،  ولماذا ينعمون بخيرات العرب المنهوبة، وبالصدفة سمعها يهودي والذي اتضح أنّه يفهم العربية، فقال لنا:” اسمعوا، لي ولد صغير أخذ ابن الجيران كرة القدم الخاصّة به، فلم ينم تلك الليلة وهو يبكي حتّى استرجعناها له، وهو طفل وغير ناضج؛ أمّا أنتم فلا أعرف كيف تنازل عربكم عن هذه البلاد بسهولة ولم يقاوموا!.

لقد استفزّتني وقاحة هذا الرجل، الذي بدا متجاهلا العصابات الصهيونية ومجازرها، وقد عكّر مزاجي منذ تلك اللحظة حتّى الآن، وقلت له اذهب إلى قرية “الفريديس″ ليحدّثك أهلها عن مجزرة “الطنطورة” المجاورة لبلدتهم، أو اذهب لقراءة كتاب “التطهير العرقي” لابن جلدتك البروفيسور إيلان بابي الذي تمّ طرده من الجامعات الإسرائيلية كما قال لي شخصيّا لأنّه فضح ممارسات الصهيونية. وأخيرًا هذا لا يعفيني من التذكير بتخاذل الزعماء العرب وجُبنهم تجاه فلسطين.

وكل عام وأنتم بخير وبكرامة وحريّة.

*كاتبة وصحافية فلسطينية.