الرئيسية / WhatsApp / مخيم جنين فيلم ومسرح

مخيم جنين فيلم ومسرح

mncسامر ياسر

 

من مخيم جنين كانت البدايه، تظهر آرنا ناشطة السلام الإسرائيلية التي تصارع مرض السرطان، في “أبناء آرنا” فلم و ثائقي لابنها جوليانو، تتحدث من على خشبة مسرح جنين، لجمهور أطفال المخيم تحثهم على طلب الحريه، تهتف بحماسة ملفته لتؤكد بأن السلام والحريّة لا يتجزءان، “فش سلام بدون حريه”، تختم قولها ليعلو صوت حريه من مدرجات المسرح.

جوليانو مير خميس إبن آرنا، الذي أنجبته من رجل فلسطيني ناشط في صفوف الحزب الشيوعي، الذي انتمت له قادمة من خلفية يمينية صهيونية، نشطت خلالها في عصابة البالماخ اليهودية قبل حرب ١٩٤٨، هو مخرج الفلم و مدير المسرح الذي أسسته  بمخيم جنين، في بداية التسعينيات خلال الانتفاضه الفلسطينيه الأولى، بأموال منحتها إياها منظمة اليونسكو كجائزة مقابل نشاطاتها التي قدمتها للمجتمع الفلسطيني، يظهر صوته كمعلق و سارد لأحداث الفلم، كما يتواجد أمام الكاميرا كونه أحد أبطاله الأساسيين، بالمشاركة مع أطفال المخيم، ذوي العشر سنوات، علاء الصباغ و أشرف أبو الهيجا و يوسف الصويطات، شخصيات الفلم الرئيسية التي يلاحقها جوليانو بكاميرته مع أطفال آخرين، ليسجل وقائع حياتها اليومية و رغبتها الطفوليه البريئه في تحقيق حلمها المشترك لتكون نجوم مسرح، يظهر أصدقاء المخيم و رفاق المسرح، يتدربون على الفنون المسرحيه تحت إشراف جوليانو، و يشاركوا في أداء مسرحية الراحل غسان كنفاني “قنديل صغير”.

بينما تمر فتره على المسرح يغلق فيها أبوابه، بعد وفاة مؤسسته و أمه الروحية آرنا، إثر مرضها السابق، ليختم الفلم جزأه الأول من سلسلة أجزاء ممتده عبر عقد من الزمن، لا يلبث جوليانو ليفتتح مرة أخرى مشاهد الجزء الثاني، عندما يعود للمخيم من جديد بعدما تعرض لعملية اجتياح مدمره في عام ٢٠٠٢، من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي في عملية السور الواقي، عندها يجد مسرحه قد دُمِّر تماماً، ليبدأ بالبحث وسط ركام المخيم، عن أبطال فلمه و مسرحه السابقين، فيجد أن أشرف قد قضى في معركة مخيم جنين، بينما استشهد يوسف في إحدى العمليات الفدائية التي نفذها داخل الخط الأخضر، لكنه ما يلبث ليجد كلاً من علاء و زكريا القائدين في كتائب شهداء الأقصى، كقلائل بقوا على قيد الحياه من أبناء آرنا. يبدأ من خلالهما مع آخرين تصوير الأحداث الجديدة للفلم، هنا يقفز علاء الصباغ ليحتل المشهد مع رفيقه زكريا، و ليكون بطل الفلم بلا منازع، فترافقه كاميرا جوليانو الذي يصنع معه حواراً خلفها و أمامها، بينما يصور تفاصيل حياته كمطارد و مطلوب يحاول النجاة من قتل داهم و متوقع في أي لحظه، داخل أزقة المخيم . ينتهي الفلم، بصدمة إنسانية تهز إحساس المشاهد، بسؤال يطرحه جوليانو على علاء، يتعلق بردة فعله في حال تم اعتقاله، فتكون إجابته أنه لن يُعتقل طالما ظل حيّاً، لينتقل لمشهد آخر و أخير يظهر فيه علاء جثة هامدة بعد أن قضى في اشتباك مسلح مع جيش الاحتلال.

ينتهي فلم أبناء آرنا عبر الكاميرا، لكن تظل حكاية مسرح الحرية الذي أعاد جوليانو بناءه من جديد، في عام ٢٠٠٦ مستمرة، جالباً له مخضرمين كالمطارد السابق زكريا الزبيدي قائد كتائب شهداء الأقصى في جنين، في فترة الانتفاضة الثانية، يصحبه مطلوبين و مطاردين سابقين آخرين قرروا الولوج لخشبة المسرح، و ممارسة التمثيل الذي اقتنعوا من خلاله بفكرة جوليانو، كونه وسيله أخرى للمقاومة ضد الاحتلال تحمل فعالية و تترك أثر إيجابي للقضية الفلسطينية، لا تقل عن أهمية الكفاح المسلح، أو قد تتميز عنه في مكان ما بنقل رساله للعالم  بمغزى إنساني يسلط الضوء على حق شعب مضطهد بالحرية و الاستقلال، يطلب مساحة أكبر للإبداع الفني، و يقدس ثقافة الحياة بدل الموت، كما انضم له وجوه شابة جديدة لم تكن في فترة تأسيسه في التسعينيات، تبحث عن تحقيق طموحاتها الفنية بالنجومية عبر العمل المسرحي، بدا كل هذا الحراك الفني/الثقافي الذي أنجزه جوليانو و عمل بحرقة و جهود مخلصة، ليطوره و ينميه في إطار حضاري يحمل رسالة وطنية في طياته، داخل مخيم جنين، مزعجاً لأطراف عديده منها الاحتلال، و أطراف محلية مصابة بجهل ثقافي مركب، ناتج عن صوره نمطية سلبية يحملها المجتمع تجاه فن المسرح و التمثيل، و قد أصيب مسرح الحرية بمقتل عندما تعرض ملثمين لجوليانو أثناء عودته ليلاً لمنزله و أردوه برصاصات قاتلة في ٢٠١١، ليفروا تاركين مسرح جريمه هزت محبيه و رفاقه و تلاميذه، و شكلت صدمة و تساؤل عن مسؤولية و دوافع الطرف الذي قتله، و هو الذي لم يكن ليعادي أو يؤذي أحد، بشخصيته النبيلة الإنسانية المسالمة.

 تعالى رفاق جوليانو على جراحهم، ليخرجوا من هول صدمة خسارته، و يأخذوا على عاتقهم إيصال فكرته و مواصلة عمل المسرح من جديد، فتصدر رفيقه المخرج نبيل الراعي مع فلسطينيين، و أوروبيين آخرين على رأسهم مدير المسرح الجديد، الناشط السويدي اليساري جوناثان ستانزاك، لتفعيل عمل المسرح، الذي شهد انتعاشاً ملفتاً خلال السنوات الماضية التي تلت رحيل جوليانو، فقد استطاع مسرح الحرية عرض العديد من المسرحيات، المستقاة من أدبيات مسرحيه عالميه مثل “في انتظار غودو”، في مدن الضفة، و ليطير إلى ألمانيا و مصر، و يحط رحاله أخيراً في الهند من خلال عرض مسرحية “الجزيره”، التي تحاكي مأساة المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، و قد لاقت حضوراً جماهيرياً لافتاً، كما تداولتها صحف الهند بنقد إيجابي و إعجاب واضح، ليسجلوا بذلك ٢٥ سنه متواصلة من قصة مسرح ارتبط بمخيم جنين و أطفاله بعلاقة عضوية، محولاً أرض المخيم بمساحته الجغرافية الضيقة، خشبة واسعه و عرضاً متواصلاً، لدراما إنسانية مختلطة بتناقضات من اليأس و الطموح و الموت و الحياه، أدى عليها أطفاله أحاسيسهم، بانفعالاتهم و أحلامهم و آلامهم، ففرحوا و حزنوا و بكوا و صرخوا و فجروا غضبهم و مكنوناتهم، كما عاشوا و قضوا على منصته .

ينظر الاحتلال اليوم باتجاه منصة مسرح الحرية الجديد في جنين، يرى على خشبته فيصل أبو الهيجا و أحمد الرخ، وجوه شابة جديده، تخطو نحو شق طريقها الفني، و يعلم أنه بيده هو أن يبقيها تواصل إبداعها المسرحي، أو يحولها مره أخرى لتصبح قنبلة تنفجر بوجهه، لتقض مضجعه و تهدد أمن مجتمعه، كما حول علاء و أشرف و يوسف، عن إكمال أحلامهم الطفولية بنجومية المسرح، فأصبحوا حملة بنادق و مقاومين يقاتلوه و يقضوا نحبهم، ليكونوا نماذج ثورية تقضي على دروب التحرر و الانعتاق، “لا سلام بدون حريه” هكذا قالت آرنا و هكذا قاتل أبناءها و ماتوا لتثبيت مقولتها البديهية، فهل يقدر المحتل على فهمها ؟.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإعدام شنقاً لشاب قتل آخر بالرصاص في عمان

أصدرت محكمة الجنايات الكبرى اليوم الخميس حكم الإعدام شنقاً حتى الموت على شاب قتل آخر ...

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: