الرئيسية / WhatsApp / دراسة حكومية: برنامج الإصلاح الاقتصادي زاد من تعقيدات مشكلة النمو

دراسة حكومية: برنامج الإصلاح الاقتصادي زاد من تعقيدات مشكلة النمو

“الاقتصادي والاجتماعي” يؤكد ضرورة جني المملكة ثمار الحياد السياسي في الأزمة الخليجية

– زيادة الضرائب والرسوم قد تعمّق حالة الركود وتولّد مخاطر إضافية
– الحركة السلفية الجهادية في الأردن تضم نحو 7 آلاف شخص 
– ينبغي إعادة النظر في الحظر المفروض على دخول الجنسيات “المقيّدة” 
– ضرورة إعادة النظر بالمناهج والتعليم والمبادرات الرامية لبناء رأس المال البشري
– الاستثمارات القطرية قد تجد الترحاب والملاذ الآمن في الأردن
– على الأردن أن يجني ثمار حياده السياسي وأن يحول موقفه الناعم لمكاسب مستدامة
– ضرورة تمكين اللاجئين في مجال العمل ودمجهم في نطاق الاقتصاد المنظم

ميديا نيوز - عمان تمثل الورقة الصادرة عن المجلس الاقتصادي الاجتماعي، مؤخرا، نموذجا للأوراق والطروحات العلمية الرصينة، التي تتسم بجرأة الطرح، وعمق التحليل، ووضوح الرؤية. ولا تكتفي هذه الدراسة، الصادرة بعنوان: “آثار التطورات الإقليمية على الأردن”، بالتوصيف أو التشخيص، بل تقدم الوصفة والعلاج، وتقترح على صناع القرار الكثير من الأفكار والتوجهات التي يمكن أن تفتح الآفاق المسدودة، وأن تشكل انفراجة للخروج من عنق الزجاجة، ولاسيما في البعد الاقتصادي، في ظل تحذير الدراسة الحكومة من زيادة الضرائب والرسوم، الأمر الذي قد يعمق حالة الركود ويولّد مخاطر سياسية إضافية.

الورقة/ الدراسة أو التقرير، الصادرة عن جهة حكومية مستقلة، اتسمت بالموضوعية إلى حد كبير، وتمثل قراءة نقدية لسياسة الحكومة أو الحكومات، وبجرأة تبتعد عن المواربة؛ حيث تشير بإصبعها على أخطاء السياسات الحكومية، فهنا أخطات الحكومة وهنا يجب أن تتوقف، تلك الروح النقدية في الدراسة ليست عدمية أو هدامة بل بناءة بكل معنى إيجابي، فهي تقترح اجتراح الحلول والأفكار والطروحات، لتؤكد أن كل شيء متاح ومكشوف، ويجب أن لا تختبئ الحكومات وراء إصبعها، بل أن لا تستأثر باتخاذ صنع القرار أو فرضه قسرا.

ويرصد التقرير آثار التطورات والأحداث الإقليمية التي جرت منذ 2011 وحتى آب (أغسطس) 2017 على الاقتصاد الأردني؛ حيث تم رصد الوقائع في المجالين السياسي والاقتصادي في هذه الفترة، واستعراض الآثار المباشرة وغير المباشرة لتلك الوقائع، وسيكون هذا التقرير نقطة مرجعية لدراسات لاحقة منتظمة ومستمرة.

 

إنفاق ما تبقى من المنحة الخليجية

وفي جانب تأثر النمو الاقتصادي جراء التطورات الإقليمية، ذكر التقرير الصادر عن المجلس الاقتصادي الاجتماعي، أنّ أحد الافتراضات وراء برنامج صندوق النقد الدولي، مع جملة من الأمور الأخرى، هو أن قيمة الصادرات الكلية للأردن ستشهد ارتفاعاً. غير أن الزيادات التي طرأت وفقاً لدائرة الإحصاءات العامة، أقل بكثير من تلك التي توقّعها الصندوق، واقتصرت فقط على صادرات البوتاس، والأسمدة، والألبسة. وتعود الزيادة في البوتاس والأسمدة إلى جهود الشركتين المعنيتين، أما صادرات الألبسة التي تستهدف الأسواق الأميركية أساساً، فقد ازدادت جراء الانتعاش المؤقت الذي طرأ على الأسواق في الولايات المتحدة بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً.

“الصندوق” عقد المشكلة

وقال التقرير “إنّ ما يسمى برنامج الإصلاح الاقتصادي المرتبط بصندوق النقد الدولي، زاد من تعقيدات المشكلة”، من خلال توجه الحكومة إلى خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات، لسد عجز الموازنة العامة والمديونية كأولوية عوضاً عن البحث في زيادة النمو الفعلي للاقتصاد. وإذا أخذنا بالاعتبار أن الاقتصاد قد شهد خلال السنوات الأخيرة معدلات نمو متدنية، فإن زيادة الضرائب والرسوم من جانب الحكومة قد تعمّق حالة الركود وتولّد مخاطر سياسية إضافية.

إجراءات عملية تشجع النمو

واقترح التقرير اتخاذ مجموعة من الإجراءات الفورية لتشجيع النمو الاقتصادي، بالتوازي مع تنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي، ومن هذه الإجراءات التواصل مع الصناديق السيادية الأجنبية للاستثمار في مشاريع البنية التحتية ومشاريع الطاقة، وتسهيل وتسريع عملية الموافقة على الاستثمار، وإبراز فرص الاستثمار في مجالات الطاقة، والنقل، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، وترويج هذه المشاريع مباشرة للمستثمرين من أصحاب الاستثمارات العالية. والدفع مقدماً، بمعنى التسديد المبكر للمبالغ التي تم الالتزام بها لمقاولي المشاريع الحكومية بهدف زيادة السيولة النقدية لديهم، وهي خطوة لن تزيد من أعباء الدين لأن هذه الأموال أدرجت في الميزانية. والسماح باستخدام بدائل رخيصة للطاقة وباستيرادها وتسهيل التعليمات الخاصة بالترخيص والتمكين. وتقديم الأرض مجاناً لمشاريع الاستثمار الكبيرة والمشاريع المتسلسلة.

وقالت الدراسة “ما تزال أمام الأردن فرصة ليستفيد من الميزة الإضافية التي يتمتع بها بوصفه بلداً مستقراً وآمناً في منطقة تعج بالاضطرابات”.

السلفيون والتعليم والجنسيات المقيدة

وكشفت الدراسة أنّ الحركة السلفية الجهادية في الأردن تضم نحو 7 آلاف شخص، إلا أنّ قطاعا عريضا من المجتمع يتأثر بأفكارهم ويناصر بعضها.

ويرى التقرير،  أنّه لا غرابة في أنّ زعماء هذه الحركة نشأوا في مناطق وبيئات فقيرة وعملوا في مهن غير منظمة وتلقوا مستوى متدنيا في التحصيل العلمي أو التدريب وهم يفدون جغرافيا من مدن الزرقاء ومعان والسلط بشكل أساسي.

وقال التقرير “إنّ هناك أعدادا متزايدة في الحركة السلفية من أبناء المخيمات الفلسطينية ومناطق شرق عمان التي تعاني الفقر والتهميش”، مع الإشارة إلى أن نسبة لا بأس بها من قادة السلفية ينتمون الى أصول قبلية أو عشائرية أردنية.

وقال التقرير “إنّ تزايد عدد المنتسبين إلى الحركة الجهادية، أدّى إلى اتخاذ السلطات مجموعة من التدابير الأمنية، منها فرض قيود على دخول حاملي جنسيات معينة إلى الأردن، واشتراط الحصول على تأشيرة”. وقد ترتبت على هذه السياسة آثار عكسية طالت قطاعات اقتصادية عدة، وشهدت الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعاً على إثر هذه الإجراءات، كما عانى أبناء الجنسيات “المقيدة” الذين كانوا يقيمون في الأردن قبل صدور تعليمات الحظر، لأن إقامتهم أصبحت تخضع لمراقبة أمنية.

وبالإضافة إلى ذلك كله، لا يمكن تجاهل التكلفة الاقتصادية المتزايدة للحرب على الإرهاب، وهو ما يشكل عامل ضغط كبيراً على الموازنة.

وقال التقرير “لا يمكن التقليل من الآثار الاقتصادية للتطرف، فهو يؤدي الى إحباط وعرقلة الجهود والسياسات التنموية في كل جانب من جوانب الاقتصاد”، مشيرا إلى أنّ نزعة التطرف بوسعها حرف الجهود الرامية إلى دمج الجميع، وعلى نطاق واسع، في عملية التوسع الاقتصادي.

ودعا التقرير، المؤسسات الرسمية في الأردن، إلى توجيه طاقاتها لمعالجة الاختلالات التي من شأنها توفير بيئة خصبة للنزعة السلفية، وهي اختلالات تتركز أساساً في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

وقال “على الحكومة أن تواصل جهودها لإعادة النظر في مناهج التعليم، وتعزيز برامج التعليم للطفولة المبكرة، واستثمار المزيد من المبادرات الرامية إلى بناء رأس المال البشري، وزيادة فرص العمل للشباب”.

وبين التقرير، أن على الجهات المعنية أن تعيد النظر في الحظر والشروط المفروضة على دخول أبناء الجنسيات “المقيّدة” إلى الأردن. فمن الواضح أنه لا يمكن تصنيف هؤلاء إلى “صالح” و”طالح”، فضلاً عن أن هذه السياسة تلحق الضرر بالمكاسب والفرص الاقتصادية. وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تتركز الجهود على النظر في خلفيات الأشخاص مثار الشك والملفات الخاصة بهم بصرف النظر عن جنسياتهم.

مسارات بديلة للتصدير إلى قطر

وجاء في التقرير، أنّ القرار الذي اتخذته كل من السعودية والبحرين والإمارات ومصر، بقطع العلاقات مع قطر، أسفر عن توقف التجارة البرية مع الأردن عندما مُنعت الشاحنات المتوجهة من الأردن إلى قطر من عبور الحدود السعودية.

وقد أثر ذلك على صادرات الفواكه والخضراوات والمواشي، وعلى قطاع المواصلات والنقل أيضاً. فبحسب نقابة أصحاب الشاحنات الأردنية، فإن حوالي 500 شاحنة ومركبة كانت تعمل على خط عمان-الدوحة، توقفت بسبب إغلاق الحدود بين السعودية وقطر.

وبعد أن كانت خسائر قطاع الشاحنات تقدر بحوالي مليار دولار بسبب الأزمات المحيطة، خاصة في سورية والعراق، فإنها مرشحة للارتفاع أكثر من ذلك إن لم يستأنف التصدير إلى قطر.

ومع ذلك، فإن الوضع ليس قائماً تماماً، فرغم الموقف الرسمي للأردن الداعم لموقف الدول الأربع، إلا أن قراره تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع قطر، كان “ناعما” بالمقارنة مع ردود الفعل التي اتخذتها دول أخرى في المنطقة، لهذا فإن الأردن قد يحقق بعض المكاسب.

ومع ذلك، فإن الخطوط الجوية الملكية الأردنية قد تستفيد لأن توقف شحن الفواكه والخضراوات (الصادرات الرئيسية الى قطر) براً، أتاح الفرصة للشحن الجوي، كما أن القطاع السياحي قد يشهد انتعاشاً بعد أن حُظر على القطريين دخول الإمارات العربية المتحدة، كما أن الاستثمارات القطرية التي كانت تتوجه في العادة إلى دولة الإمارات قد تجد الترحاب والملاذ الآمن في الأردن.

ووفقا للتقرير، فإنه ينبغي على واضعي السياسات أن يبحثوا عن مسارات بديلة لمواصلة التصدير إلى قطر، بل وأن يحاولوا التوسع في التصدير حتى مع تضاؤل البدائل والمنافسين، وبذلك، يتحول التهديد إلى فرصة إذا ما عولج بسرعة وبطريقة استراتيجية. ويمثل الشحن الجوي أحد الأساليب للاستفادة من الحصار المفروض على قطر، وتعزيز مكاسب الأردن منه.

وقال التقرير “على الأردن أن يجني ثمار حياده السياسي الظاهري”، وأن يحول موقفه الناعم إلى مكاسب اقتصادية وسياسية مستدامة. ومن المهم ملاحظة أن قطر لم تلتزم بالحصة التي تعهّدت بها ضمن حزمة المعونات البالغة قيمتها 3.5 مليارات دينار والتي أقرتها دول مجلس التعاون الخليجي في العام 2012 لدعم مشاريع تنموية في الأردن على مدى 5 سنوات.

وينبغي البدء بالنظر بصورة ملحة في مجالات أخرى للتعاون الاقتصادي الاستراتيجي، مع إيلاء أهمية قصوى لتأمين مزيد من المساعدة من قطر حالما تتحسن العلاقات بين البلدين. كما يجب الانتباه إلى أن حياد الأردن لن يترجم إلى تقليص الدعم من السعودية ودول الخليج الأخرى التي انتكست علاقاتها مع قطر. و”لا بد من التمسك بحياد الأردن الظاهري بوصفه موقفاً فرضته الضرورة، وليس من باب المزاجية أو الارتجالية”.

تمكين اللاجئين في العمل

وقال التقرير “إنّ على واضعي السياسات أن يسعوا إلى تمكين اللاجئين في مجال العمل، ودمجهم في نطاق الاقتصاد المنظم، وليس الانتفاع فقط بـ”وثيقة الأردن” الصادرة عن مؤتمر لندن”.

كما أكد أنّه على وكالات المعونة والمانحين، عموماً، أن يسهموا في جهد تدريبي ضخم يشمل تدريب الأردنيين. فالتركيز على المعونة الموجّهة للميزانية وحدها سيغفل عن معالجة تدني دخل الفرد للأردنيين. ومن هنا، ينبغي التركيز على حفز الأردنيين والعمال “الضيوف” على العمل، ويتطلب ذلك وضع سياسات ترمي إلى تعزيز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة ودعم بعض القطاعات، لأن الدين الحكومي لا يمكن أن ينخفض، إلا بزيادة النشاط الاقتصادي. ويجب أن يؤدي تخفيض الضرائب والإسراع في الدفعات المسبقة للمشاريع الجارية الآن إلى وضع المزيد من الأموال قيد التداول وحفز العرض والطلب.

وقال “لا يمكن الجزم بأنّ منافسة السوريين قد أقصت الأردنيين إلى خارج سوق العمل غير المنظم”، لكن هذه المنافسة ستنتهي إذا سُمح لهم بالعمل واندمجوا بالتالي في القطاع الاقتصادي المنظم؛ حيث يتقاضون أجوراً أعلى فيزداد بذلك مستوى استهلاكهم (ويؤدي ذلك إلى زيادة الطلب الكلي في الأردن). وكذلك الاستثمارات في الأردن (وقد عانى الكثير من المستثمرين السوريين جراء استخدامهم العمال السوريين شبه المهرة في مشاريعهم حتى عندما التزموا بالحصص التي أقرها الأردن). كما سيسهم هؤلاء في زيادة العائدات الضريبية على ما يحققونه من مكاسب عالية، وبالتالي من زيادة معدلات استهلاكهم”.

ومن الواضح أن العمال السوريين ينافسون العمال غير الأردنيين ممن يحملون جنسيات أخرى في سوق العمل. وقد درج العمال المصريون الوافدون على قرع جرس الإنذار بالنسبة للسوريين الذين يعملون بصورة غير قانونية في محافظة المفرق. ولا يقوم العمال السوريون بتحويلات نقدية إلى خارج الأردن لأسباب واضحة، بينما يقوم بذلك العمال الوافدون من الدول الأخرى. ومن جهة أخرى، فإن زيادة حجم تجمعات العمال الأجانب في الأردن، جعلت قوة العمل الأجنبية أقل كلفة.

وحول الإنفاق الحكومي، قال التقرير “إنّ على الحكومة أن تزيد من الإنفاق في حالات التعثر الاقتصادي، وأن تقلل منه في حالات الازدهار الاقتصادي”. غير أن الممارسة الواقعية تدل على أن ما كان يحدث هو العكس. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ذلك لا يمثل دعوة للتوسع في الإنفاق، بل ينادي بتحويل الإنفاق إلى الاتجاه المعاكس.

التزام الأردن تجاه الديون مضعضع

وفي جانب الدين العام، أشار التقرير إلى أنّه على الرغم من تعاظم نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي بصورة كبيرة بين العامين 2011 و 2013، إلا أنها اتسمت بالاستقرار، جراء مساعي الحكومة لتحقيق التنوع والتوازن بين مصادر الاقتراض المحلية والأجنبية، وللاستفادة من القروض الخارجية التي انخفضت الفائدة عليها، نتيجة لاستمرار الأزمة السورية وتدفق اللاجئين السوريين إلى البلاد.

ويقول التقرير “إنّ نسبة الدين ما تزال عالية نسبياً، ونظراً لأن النسبة الكبرى من الأموال المقترضة تستخدم لتمويل النفقات التشغيلية للحكومة، فإن وضع الأردن في ما يتعلق بالتزاماته تجاه الديون “ما يزال مضعضعاً”.

ويرى التقرير “أن النسبة الحالية للدين من الناتج المحلي الإجمالي ليست جديدة على الأردن” و”ليست مهمة”، وأنّ المهم كيفية استخدام القروض. ففي علم الاقتصاد، هناك مبدأ مشهور تتبناه كثير من الدول، يسمى “القاعدة الذهبية”، ينص على أن الحكومة، خلال الدورة الاقتصادية، تقترض فقط للاستثمار في تعزيز مشاريع مثل البنية التحتية ورأس المال المادي لتستفيد منها الأجيال المقبلة في البلاد، وليس لتمويل النفقات الجارية.

وأكد أنه لا بدّ على الحكومة أن تُطلع الرأي العام على هذه المعلومات. فالجهل يسبب التباسات لا داعي لها، وإشارات تفتقر إلى الصحة، ومخاوف غير مبررة، وهذا بدوره يؤثر على العرض والطلب بالنسبة للبضائع والخدمات، ويمتد أثره ليطال الاقتصاد بصورة أسرع وأكثر ضرراً من أي محددات أخرى. ومن هنا، فإن اطلاع الجمهور على حقيقة الوضع وتبديد المخاوف التي لا أساس لها، ينبغي ألا تعدّه الحكومة مكرمة أو عملاً نافلا، بل هو سياسة اقتصادية سليمة وضرورية ومهمة.

وأكد التقرير، أنه لا بد من تعريف الجمهور، وتكرار ذلك ما أمكن، بالمقصود باحتياطيات النقد الأجنبي وارتباط مستواها بالواردات وتغطيتها خلال فترة زمنية محددة، وأن المستوى الآمن المطلوب قد يكون نحو 3 أشهر فحسب. فهذه التطمينات المتكررة مهمة لتثقيف الناس، فإطلاع الرأي العام على مستويات الاحتياطيات في السابق ووضعها الراهن ليس أمراً سيئاً بالضرورة، بل هو تطور إيجابي، فليس هناك ما يمكن التستر عليه أو إخفاؤه.

التصريحات السلبية حول سعر صرف العملات

وأكد أنه ينبغي على الحكومة أن تبادر إلى النقاش مع اثنتين من المؤسسات المالية الدولية وغيرها من المانحين، وأن تعمل في إطار صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتحقيق مزيد من النمو، والأهم من ذلك بدء سياسة تتمركز في الترتيبات والمبادرات التنموية. ومن الأهمية بمكان أن يمتنع السياسيون عن الإعلان أمام الملأ من خلال وسائل الإعلام، أن معدل سعر صرف العملات سيواجه مخاطر إذا لم يطبق الأردن هذه الخطوة الإصلاحية أو تلك، فمثل هذه التصريحات “ألحقت وتُلحق الضرر بمستوى الاحتياطيات”، وولّدت في وقت سابق مخاوف في أوساط المودعين ودفعتهم إلى تحويل استثماراتهم إلى دولارات أو نقل ودائعهم إلى خارج البلاد.

تأهيل شبكات المياه والتوسع في استخدام “المدوّرة”

في قطاع المياه، تلفت الدراسة إلى أن استهلاك المياه في العام 2012 كان 508.63 مليون متر مكعب، ومع أنه ارتفع في العام 2013 إلى 539.9 مليون متر مكعب، ثم إلى 588.1 مليون متر مكعب في العام 2014، إلا أنه انخفض في العام 2015 ليصل إلى 274.2 مليون متر مكعب. ويعود هذا الانخفاض إلى ارتفاع أسعار المياه.

وفي العام 2016، عندما عدّلت القطاعات من أنماط الاستهلاك بعد صدمة الأسعار، ارتفع الاستهلاك إلى 288.75 مليون متر مكعب.

وقد فرض تدفّق الأعداد الضخمة من اللاجئين خلال فترة قصيرة أعباء جسيمة على الأردن؛ حيث سُخرت الموارد الشحيحة والبنية التحتية لخدمة قاعدة سكانية أوسع بكثير مما أقيمت أو أعدت له أصلاً. وقد تفاقم الوضع لأن مشاكل المياه لم يُخصص لها سوى جزء ضئيل من المساعدات الدولية المقدمة للأردن، مع أنها من القضايا الأكثر إلحاحاً. وكان وزير المياه والري كشف في شهر حزيران (يونيو) 2016 أن كل لاجئ كلّف قطاع المياه في العام 2015 نحو 500 دينار.

وزاد من صعوبة هذا الواقع، اندلاع الأزمة المفاجئة في سورية، بحيث لم يُتح للأردن الوقت الكافي للاستعداد لاستقبال الأعداد الضخمة من السوريين التي بدأت تعبر حدوده. غير أن السوريين لم يكونوا المجموعة الوحيدة التي استضافها الأردن، لأن آلافاً مؤلفة من البشر من جنسيات عربية أخرى وفدت للإقامة في الأردن أيضاً. وخلال موسم الصيف، تنضم إلى هؤلاء جمهرة المغتربين والسياح العرب الذين يفضلون الأردن الذي يحتل مرتبة متميزة بوصفه البلد الوحيد الخالي من النزاعات في دول المشرق العربي.

لقد استُهلكت موارد الأردن، ولا سيما المياه، بمعدلات متزايدة. وكان الأردن يعاني في الأصل من شحّ المياه، ومن محدودية هطول الأمطار ومصادر المياه السطحية والجوفية. ويتحلى ذلك بوضع صورة في تضاؤل حصة الفرد من المياه العذبة المتجددة. ففي العام 1946، كانت حصة الفرد 3600 متر مكعب من المياه العذبة، وانخفضت الى 145 متراً مكعباً بحلول العام 2008. ومن المتوقع أن تتناقص لتبلغ 90 متراً مكعباً بحلول العام 2025.

وتبلغ إعادة استخدام المياه حدودها الدنيا في الأردن، ففي العام 2016 استخدم 27.5 مليون متر مكعب من معامل تصفية المياه، وهي كمية تمثل 17.3 % من مدخلات الماء التي تبلغ 158.9 مليون متر مكعب، وهي أرقام متدنية للغاية بالنسبة إلى بلد فقير بالمياه. يضاف إلى ذلك أن المياه المهدورة جراء التسرب في شبكة توزيع المياه تبلغ ما يعادل 50 % وأكثر من ذلك في بعض المناطق. ومن هنا فإن المياه تضيع هدراً خلال التوزيع، حتى ولو تم إنتاجها.

وتتفاقم الأمور وتثير القلق على نحو خاص عندما تؤخذ في الاعتبار معدلات استخدام المياه الجوفية التي كانت المصدر لـ59 % من المياه المستخدمة في الفترة بين العامين 2006 و2015، وإعادة تخزين المياه الجوفية.
وتؤكد الدراسة ضرورة إصلاح وتأهيل الشبكات، كما يجب التوسع في إعادة استخدام المياه المدوّرة.

مراجعة الضرائب على الطاقة

وقال التقرير “إنّ الزيادة في فاتورة الطاقة في البلاد فرضت ضغوطاً على الخزينة العامة، وأدت الخسائر التي تكبدتها شركة الكهرباء الوطنية إلى ارتفاع الدين العام في الأردن بما يعادل 75.5 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2012 بالمقارنة بنسبة 65.4 % في العام السابق”. وعلى هذا الأساس، ارتفعت كلفة الطاقة المستهلكة في تلك الفترة في الأردن، فبلغ معدلها السنوي 4 مليارات دينار، إلى أن انخفضت أسعار البترول عالمياً في العام 2014. وكان ارتفاع الدين العام، وانخفاض معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي نتيجة لأزمة الاعتمادات المالية العالمية وتداعيات انعدام الأمن الإقليمي، قد تضافرا سابقاً في العام 2012 بحيث اضطرّا الحكومة الأردنية إلى أن تطلب كفالة صندوق النقد الدولي.

وتنص الاتفاقية الاحتياطية مع صندوق النقد الدولي، على تخفيض الدين العام في الأردن عن طريق الإصلاحات في قطاع الطاقة من جملة إجراءات أخرى. وعلى هذا الأساس، ولإيجاد صيغة للتخفيض التدريجي للخسائر المترتبة منذ وقت طويل للفروع التابعة لشركة الكهرباء الوطنية في أواخر العام 2012، وُضعت خطة لزيادة ضريبة الطاقة في المستقبل. في غمرة الاحتجاجات الشعبية على رفع الأسعار الذي ترتب على ذلك، أُقرت دفعات نقدية/ معونات للشرائح التي طالها التأثير. ومع ذلك، وعلى الرغم من إلغاء الدعم، فإن خسائر الشركة ما فتئت تتراكم إلى أن بلغت بحلول العام 2014 مبلغاً غير مسبوق هو 4.64 مليار دينار (أي 18 % من الناتج المحلي الإجمالي)، لأن هذه الشركة كانت ما تزال تتحمل التكاليف المرتفعة لفاتورة استيراد الطاقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الجمع بين هذه الزيادات في أسعار الطاقة والإصلاحات التقشفية التي أوعز بها صندوق النقد الدولي في قطاع الطاقة، قد تركا آثاراً مدمّرة على القطاع الخاص.

ضيق أفق حكومي

وأشار التقرير إلى أنّ “تركيز الحكومة على تسديد ديون شركة الكهرباء التي كانت قد ضمنتها يتسم بضيق الأفق”.
واقترح التقرير على الحكومة، تحويل المدخرات إلى القطاعات المستهلكة الاقتصادية. كما يجب تحويل المدخرات الناجمة عن رفع أسعار النفط المنخفضة إلى الصناعة. ويجب الإسراع بصورة عاجلة في تنفيذ المشاريع المؤجلة. فالاقتصاد منظومة مترابطة من العناصر، ولا يمكن فصل أي قطاع تماماً عن بقية القطاعات. وعند أخذ هذه النقطة بالاعتبار، فإن الموقف الكلي إزاء الصناعة سيتغير.

وقالت الدراسة إنّه مع تحرك الاقتصاد إلى الأمام، والأهم من ذلك استمرار الانخفاض في أسعار النفط العالمية، فإن آثار تشويه الأسعار الناجمة عن رفع الضرائب على الطاقة ينبغي أن تخضع للمراجعة. فلا غبار على الهدف الذي تسعى الحكومة إلى بلوغه، وهو أن تغطي شركة الكهرباء الوطنية تكاليف التشغيل، غير أن العلاج الذي تم اختياره، وهو الزيادات التي لا نهاية لها في تعرفة الكهرباء، يثقل كاهل الاقتصاد الأردني.

إن العلاقة السلبية بين أسعار الطاقة والنشاط الاقتصادي، مع انخفاض معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي، من شأنها أن تجعل من السياسة الحكومية إزاء قطاع الطاقة سياسة قاسية.

وأكدت الدراسة أنّ “على الحكومة ألا تركز على الإجراءات التقشفية المقترحة ضمن برنامج التصحيح الاقتصادي، بل ينبغي أن تحوّل انتباهها إلى السياسات والتدابير التي تشجع على النمو”. بالإضافة إلى ذلك، فإن على الأردن أن يستفيد من المهلة التي يتيحها انخفاض أسعار النفط عالمياً، ومن التمويل والمساعدات الخارجية أيضاً، بانتهاج سياسات اقتصادية تحفز على النمو والتوسع، الأمر الذي سيزيد من إيرادات الحكومة ويمكّنها، في الوقت نفسه، من تسديد ديون شركة الكهرباء الوطنية.

وأكدت الدراسة، أن الإصلاحات الحكومية لا بد أن تستهدف المنتجين، لا المستهلكين فقط. ويجب إعادة النظر في التعرفة لتمكين الصناعات التصديرية من المنافسة بطريقة أفضل مع الدول الأخرى.

وأشارت الدراسة إلى أنّ منح العمال السوريين تصاريح عمل سيسهم في التخفيف من آثارهم السلبية في الاقتصاد الأردني غير المنظم وفي الاقتصاد الكلي الأوسع على السواء. وسيساعد ذلك على حماية الشرائح التي تواجه أسوأ مخاطر الفقر من بين السكان الأردنيين، كما يؤكد التزام الأردن أمام الدول العربية والمجتمع الدولي بإخراج سورية من هذا المأزق.

ولا بد من اتخاذ التدابير الاحترازية المناسبة ليقوم العمال السوريون الذين سيكون وجودهم قانونياً آنذاك، بدور تكميلي وليس بالحلول محل نظرائهم الأردنيين.

وفي التضخم، قالت الدراسة “إنّ التضخم بحد ذاته، ليس أمراً سيئاً بالضرورة، ولكن اندماجه مع الكساد في الأنشطة الاقتصادية، يعني أن الجميع، عاملين وغير عاملين، سيشعرون بالضيق لأن مداخيلهم لن تكفي للمحافظة على مستوى استهلاكهم السابق. والأسوأ من ذلك أن الضرائب المتزايدة على البضائع والخدمات تُفرض على المستهلكين لا المنتجين”. وكان من المفترض أن يؤدي انخفاض أسعار السلع، وخصوصاً الطاقة، إلى تخفيض معدل التضخم في الأردن، بوصفه مستورداً صافياً. غير أن ذلك لم يحدث، بسبب برنامج التصحيح الاقتصادي والسياسات اللاحقة. ومن هنا، فإن الضغط التضخيمي الذي فرضه البرنامج يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر.

مزيد من الجهود لتحسين بيئة الأعمال

وفي قطاع الاستثمار الأجنبي، قالت الدراسة “إنّ المستثمرين اتجهوا إلى العقارات، ولم يحدث إلا القليل من التنويع والتوسع في القطاع الصناعي، ويدل تركيز الاستثمار على النشاط العقاري، على أن ثمة حاجة لبذل المزيد من أجل تحسين بيئة الأعمال ولتنفيذ استراتيجية متماسكة لاجتذاب المستثمرين إلى مجالات الصناعة، وبخاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والبنية التحتية من أجل تطوير قطاع النقل.

وينبغي أن تستفيد هذه المشاريع التمكينية من الشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما يجب أن تستهدف مشاركة الحكومة تخفيض الكلفة بالنسبة للمستثمرين، وبالتالي الارتقاء بمستوى الربحية في مشاريعهم، لأن قطاع النقل عنصر تمكيني، ولأن المردود الاقتصادي للأردن يتجاوز إلى درجة كبيرة الإجراءات المالية التقليدية والحسابات والقرارات التي تقوم على أساس الربح/ الخسارة.

استراتيجيات خلاّقة لمدخرات المغتربين

وقالت الدراسة “ينبغي تنفيذ نماذج واستراتيجيات خلاّقة لتحقيق الفائدة المرجوة من تحويلات المغتربين، وتشجيع عودة مدخرات المغتربين الأردنيين إلى الوطن”.

مسارات بديلة أخرى

وبينت أنه ينبغي على الأردن أن يشجع مسارات بديلة للدول التي يصدّر إليها ويستورد منها، عبر استراتيجية مناسبة لترويج وتنمية الصادرات (وقد وُضعت استراتيجية في السابق ولكنها لم تُفعل)، وعليه أن يتحرك باتجاه الصادرات ذات القيمة المضافة العالية. كما يجب الاستعداد لإعادة الإعمار في كل من سورية والعراق، الأمر الذي سيعزز الصادرات الى هاتين الدولتين.

ويجب استخدام السلطة السياسية والقنوات الدبلوماسية للمساعدة على فتح مسارات جديدة متنوعة.

سماح بيبرس – الغد

تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المصري يكرم الكوز بمئوية بفلور – صور

كرم دولة السيد طاهر المصري..وبحضور جمع غفير من المواطنين والناشطين بمناسبة  استنكار مئوية وعد بلفور المشؤوم… ...

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: