الرئيسية / WhatsApp / الوضّاعون: صناع الوهم في الإسلام

الوضّاعون: صناع الوهم في الإسلام

d8%b9%d9%85%d9%91%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a3%d9%85%d9%عمّار المأمون

تُعدّ نصوص الأصول في التراث الإسلامي الأساس أو “اللوغوس”، الذي يقوم عليه “المقدس”. ومن أهم خصائصها، القدم واللاتفاوت، ويعتبر النص القرآني، يليه الحديث النبوي الشريف “سنّة محمد”، أساس هذا اللوغوس بالترتيب. لكن اللغط بدأ حول تلك النصوص إثر عملية تدوين القرآن والسنة النبويّة، وتحويلها من صيغة شفهية إلى نصوص مكتوبة، ليرتبط التدوين بأكثر المراحل حساسية في التاريخ الإسلامي. خصوصاً أن النبي رفض في البداية أن يُدوّن ما يقول “لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه”، كي لا يختلط كلامه مع القرآن.

لكن ظاهرة وضع الأحاديث على لسان النبي، يقال إنها بدأت مع نهاية عصر عثمان بن عفان، وليس أثناء حياة النبي، كما أن علوم الحديث، كعلم الرجال والتجريح والتصحيح، ظهرت لاحقاً ضمن المصنفات، نحو القرن الرابع الهجري. والإشكالية تكمن في أن الأحاديث كانت تنقل مشافهة بالتواتر عبر الثقات قبل تدوينها، لكن انتشار الفتنة فتح المجال للشكّ إما بالنص أو بالشخص، ليتسلل الوضع لأسباب كثيرة، ويُنحل على النبيّ ما لم يقله. ومع رصد ظواهر الوضع هذه، بدأت الأوهام تتسلل للدين الإسلامي وتنحل الأحكام وغيرها، فكان هاجس أهل الدين تدقيق الأحاديث وصحتها، ما دفع الوضَاعين إلى إحكام أعمالهم ونصوصهم، لتنجو من رقيب الفقهاء. وكأن هناك صراعاً بين النص المقدس ذي المرجعية الإلهية، ونقيضه البشري الذي يحاول أن يسوغ حضوره بالانتماء للمقدس في سبيل منافع شخصيّة أو سياسية، أو حتى دينيّة، ليبقى متداولاً في الحياة اليوميّة.

المفهوم

تكثر التعريفات حول الوضع، لكنها تشمل انتحال الكلام أو الأفعال على الرسول أو لسانه كذباً وافتراءاً. وقد يكون هذا النحل بالمتن “أي نص الحديث”، أو السند “أي سلسلة الرواة”. لن يكون مفيداً الدخول في أنواع الوضع، وأنواع الأحاديث وغيرها، فكتب الفقه غزيرة بذلك. ما سنحاول تسليط الضوء عليه، هو الأمثلة والمفاهيم التي تتمحور حول الحديث الضعيف والموضوع، وغاياتها ومرجعياتها، خصوصاً أن الوضع يحاول مشابهة لغة المقدس “المتن” أو استخدام رجالاته “السند” فيسبيل تمكين صحّته ومحاكاة لغة النبيّ. واعتمدنا في اختيار الأحاديث الموضوعة على ما حققّه الشيخ الألباني في السلسة الضعيفة والموضوعة.

الوضّاعون وبروباغاندا السلطة

تعاقب الدول والأُسر التي حكمت في الإسلام، وسعيها لنيل الشرعيّة المقدّسة، نشّط عمل الوضاعين، عبر النظر إليهم كمحرضين أو كرجال دعاية. ويقال إن بداية الوضع حدثت بعد مقتل عثمان بن عفان، إذ دخل حينها الحديث النبوي في الصراعات السياسية، وأخذ أشكالاً لتدعيم الدولة وهيبتها وشرعيتها المقدسة، خصوصاً في الأحاديث التي تدعم الدولة الأمويّة، كالحديث: “أهل الشام سوط الله في أرضه، ينتقم بهم ممن يشاء من عباده وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم، وأن لا يموتوا إلا غماً وهماً”.  أو القول: “الشام كنانتي فمن أرادها بسوء، رميته بسهم منها”، وهو حديث لا أصل له. فالموضوعات هنا تؤسس للخلافة الأمويّة، والوضع لاحق لمرحلة الخلافة الراشدية، وينتصر للشام بوصفها معقل بني أمية. أما عن الخلافات السياسية وطبيعتها، والتي كرست الاختلاف السياسي بوصفه وضعية صحية يباركها المقدس، نقرأ القول التالي: “اختلاف أمتي رحمة”، قول يرى في “الخلافات” وضعاً صحياً للدولة الإسلامية، بوصفها تتطور، وبوصفها تنجيهم من الهلاك والبطش السياسي الذي قد يخبئه الآخر. وعلى النقيض نجد الأقوال التي وضعت ضد الدولة الأموية، وتهجو رجالها بصورة شخصية، وتضفي على النبي صيغة التنبؤ بالسياسي المستقبلي، الذي يخرج عن معرفته “الربانية”، كالقول “هو الوَزَغُ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون؛ يعني: مروان بن الحكم”، أو كالحديث الذي يبرر الطغيان والاستبداد، الذي قد يقع على الأمة، بوصفها هي التي تودي نفسها لهلاكها لا حُكامها، إذ يلوم الشعب لا الحاكم. هذا القول ما زالت أصداؤه تكرر حتى الآن “كما تكونون يولى عليكم”. فيمعن في تمكين ديكتاتورية السلطة ذات الصبغة الدينية، إلى جانب التحسر على السلف الأول بوصفه الصالح، وما بعدهم انحراف عن ناصية الحق كالقول: “أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم”، وفي هذا تمكين لاحتكار ناصية الخلاص وارتباطها بأشخاص لا بتعاليم.

تمكين الخرافة العقائدية وتماسك الشعائر

الوضع في الجانب الديني يعمل على عدد من المستويات، فمنه ما تسلل للمنطق “الإسلامي” عبر ما يسمى الإسرائيليات، في ما يخص العقيدة والحكايات والقصص التي ينتمي غالبها للمنطق الأسطوري، والتي تندرج تحت “الضعيف”. وهذا الوضع أقل خطورة لكونه يتناول البنية العقائدية والمتخيلة. وهناك الجانب الفقهي، المرتبط بالعبادات وتأديتها، إذ لم تتضح كل تفاصيلها في عهد النبي، فكان الوضع في سبيل البناء الشعائري للإسلام ليكون الوضع/ الوهم، محاولة لبناء صورة متكاملة للدين، تشمل جوانب الحياة المختلفة، عبر إعطاء الشرعية الأولى للفقهاء وعلماء الدين فيالقول مثلاً: “علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل”. لتبدأ بعدها الأحاديث تدخل في جانب الترغيب بالعبادات من جهة مثل “صوموا تصحّوا”، والتي تجعل من العبادة العبثية في جوهرها ذات منفعة يومية يشرعنها المقدس. وعلى النقيض، فإن الحديث الموضوع يدخل في الترهيب في سبيل السعي لرضا الله وهجر المفسدات، لنقرأ “احذروا الدنيا، فإنها أَسْحَرُ من هاروت وماروت”.

ظاهرة وضع الأحاديث على لسان النبي والضرر الذي أحدثته في الإسلام

كثيرة هي الأحاديث الذي تتناول هذا الجانب، لكن أهميتها تكمن في أنها تتسلل إلى الحياتي واليومي والشعبي، جاعلة البنية المقدسة أكثر عمومية وقدرة على مخاطبة “اللاعلماء”، بوصف الدين ممارسة يومية لا مجرد جانب عقائدي. وهذا ما يخلق الاختلافات بين الممارسة اليومية “للدين”، وبين الدين كبنية “صحيحة” خالية من الوضع والوهم البشري الخارج عن “صحّة” المقدس.

هيمنة الذَكر العنصري

ينبع الوضع أحياناً من مواقف العصبية لجنس أو لقبيلة، ويختلف باختلاف السياق، لنقرأ ما هو موضوع ومتداول بوصفه ينتصر لفئة على حساب أخرى. هذه الجوانب هدفها تمكين وتوكيد هيمنة فئة على أخرى وأشهرها تلك المرتبطة بالمرأة، والتي تصفها كخطيئة. وتنتصر عنصرياً للذكر، وتهين الأنثى الآثمة التي تُلهي عن الله وعبادته لنقرأ: “لولا النساء، لَعُبِدَ الله حقاً حقاً”. كذلك تلك التي تحض على النكاح، والتي قد لا تبدو منطقية سوى لتدعيم ذكورة الرجل، وتصنيف المرأة ككائن جنسي للتكاثر والسلوى كالقول: “تزوجوا بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأفتح أرحاماً، وأثبت مودة”. كذلك هناك جانب آخر يتصف بالبرّ، الذي يجعل المرأة أشبه بكائن ضعيف يستمد قوته من المقدس لا من الممارسة فقط، وأشهرها الحديث: “الجنة تحت أقدام الأمهات، من شئن أدخلن، ومن شئن أخرجن”، والذي بالرغم من معناه “الإيجابي” ظاهراً، ففي باطنه يخالف القدرة الإلهية، بل ويجعل المرأة/ الأم تشارك “الله” في قرار الحياة الآخرة، وهذا يناقض المنطق الديني الذكوري بل المنطق العقائدي المرتبط بقدرة الله التي لا يشاركه بها أحد.

الجانب الآخر للوضع العنصري مرتبط بالعروبة نفسها، وبإقصائها  للآخر، ليتم التمركز حول العربي والعروبة وأفضليتهما، بوصف القرآن نزل عربياً. وبالرغم من الإشارات في النص القرآني لهذا وتعدد التأويلات حول هذه الفكرة، إلا أن الحديث الموضوع نراه يبرز بوضوح العنصرية الذاتية للعربي self-racism، كالقول: “أحبوا العرب لثلاث: لأنني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي”. هذا الموقف يرتبط أيضاً بقريش وأحقيتها، في حين نراه في جوانب أخرى عنصرية ضد “الآخر” المختلف، الذي كان عبداً في الإسلام، لنقرأ القول: “خيروا لنطفكم، وأنكحوا في الأكفاء، وإياكم والزنج فإنه خلق مشوه”. هذه العقلية العنصرية التي تحاول حفظ النسل العربي، وترتبط بطبيعة البيئة القبلية التي ولد فيها الإسلام من جهة، ومحاولة احتكار القدسية، وممثليها الذين يدعون الكمال، بوصفهم عرباً، وهم أهل الدين.

نهاية، يلعب الوضع دوراً بوصفه يفتح المجال على تعدد النسخ من المقدس، التي يشكل كل منها خطاباً يلائم مرحلة تاريخية وسياسية، لكن تكمن خطورته في أن اكتشافه ودحض “الموضوعات”، هما حكر على فئة “العلماء”، وليسا على المستوى الشعبي كحالة الأحاديث الموضوعة، ولا تنتشر كانتشارها.

رصيف22

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جرش .. فرقة” ساسنا دزرير” ..فنون من التراث الارمني الاصيل على الشمالي

تصوير ابراهيم ورعد الجبور  لعل من أهم رسائل مهرجان جرش، هي الاطلاع على تراث وفلكلور ...

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: