الرئيسية / WhatsApp / الوجه لا لباس له «il n’y a pas de vêtement pour le visage».

الوجه لا لباس له «il n’y a pas de vêtement pour le visage».

 

حميد طولستحميد طولست

توطئة: أوحى إلي بالكتابة في هذا الموضوع تلك الظواهر الجديدة والغريبة وغير المنتظرة بالمرّة ، والتي عرفتها الحملة الانتخابية وتعكس مدى مستوى الوعي الديمقراطي ونضج الأحزاب السياسية وضعف انخراطها في مسلسل الدمقرطة والتحديث، المتمثلة في تقديم حزب سياسي بمرجعية إسلامية ، مرشحاته بدون وجوه، حيث عمد إلة نبيض مكان الوجه في صورهن، وهو يعلم أن المترشحات للمؤسسة التشريع مقبلات على الاحتكاك اليومي مع زملائهن، والظهور أمام كاميرات الصحفيين والتلفزيون، لنقل أعمالهن المواطنين عبر الشاشة ، فإذا كانت نساء هذا الحزب لا تقبلن أن يرى الناس وجوههن فكيف وكيف ستعملن ؟

المقالة :الوجه هو المنطقة الخاصة والإستثنائية في الإنسان ، بل هو أكرم بقعة تجتمع فيها جلّ حواسه، وتتداخل فيها أقوى عضلاته ، وأكثرها دقّة وتعقيدا، وهو عنوانه والدليل عليه، وبرهان وجوديّته وإنسانيته، وأداة تميزه عن بني جنسه وعن بقية الكائنات الأخرى، والمرآة التي من خلالها يمكن قراءة سريرته وما يخفيه من أبعاد نفسية وأخلاقية والثقافية وإنسانية ، فلا وجود له بدونه ، إذ به يظهر ويواجه ويلاقي الأغيار ، وهو العضو الوحيد الذي لا لباس مقرّر له، كما قالت المفكرة الفرنسية “إليزابيت بادينتير”Elisabeth Badinter بأنّ الوجه هو” العضو الذي لا لباس له «il n’y a pas de vêtement pour le visage». حيث أن لكلّ عضو في الجسم رداء، فالرأس له قبعات وطواقي والأيدي لها قفّازات والأرجل لها جوارب ، إلا الوجه فيبقى دائما مكشوفا، لا يغطّى إلا اضطرارا، ولظروف طبيعية خاصة كلثام أهل الصحراء مثلا”، لأن عري وجه المرء أمام الغير بلا غطاء هو دليل سلم ورغبة في التلاقي، ودعوة إلى ملاقاة الآخر في بعده الإنسانيّ، يشعر صاحبه بفردية واستقلال لأن الوجه هو العضو الوحيد الذي لا ينفك عن الانفعال ولا يتوقّف عن تعبيريته، إذ يكفي في كثير من الأحيان النظر إلى وجه الآخر، للتعرف على الكثير من الأسرار كالعصبية ،.. هذه القدرة الخارقة على التعبير هي التي جعلت الكثير من علماء السلوك البشري يقرون بأن نصف تواصل الإنسان وتعبيره يتم بحركات الجسد والوجه على الخصوص بدلاً من الكلمات، كما قال الإمام علي رضي الله عنه: “ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه”.

فتجريد الإنسان عن وجهه ، هو زج به في حظيرة الحيوانات، وإنكار آدميته وإنسانيته العديمة التأثر والحشمة والظرف، الصفات التي لا تطال غير الإنسان ، وتظهر أكثر ما تظهر على الوجوه( “Udmawen بالأمازيغية”) بتدفق الدماء في عروقه الدقيقة ، محولة إياه إلى حمرة ظاهرة للعيان، تعبيرا عن الأحاسيس الإنسانية من صدق وخوف أو خجل ، ما دفع بالرجل الشعبي للقول : “ما عندو وجه علاش يحشم” و”الوجه اللي يحشم مقزدر” و”وجهك هذاك أولا قفاك” و” وجهك هذاك أولا كريه” و” وجهو وجه الطراح ” و”يزَنْزْ أُدْمْ نِسْ Izzenz udem nnes” الذي تعني بالعربية: “باع وجهه”، أي أصبح بلا وجه، بمعنى أنه أصبح بلا أخلاق.

فتغطية الوجه، ورفض كشفه ما هو إلا رفض للتواصل مع الآخر ، وإقصاء لكلّ علاقة اجتماعية به، وتصريح برفض الحياة والمجتمع ، وإعلان للحرب والكراهية تجاهه، فلا حرية ولا عقلانية ولا تواصل اجتماعي أو سياسيّ إلا بالمواجهة، والحال أنّ تغطية الوجه رفض لتلك المواجهة ، لأن من يتبرقع ويغطي وجهه، لا يلبس العضو الذي به يلاقي الآخرين غطاءا وحجابا فقط، بل يمنعه، بسلوكه المشين ، من كل علاقة أخلاقية أو إنسانية وكل تواصل مع الآخرين، ويعلن بفعله ذاك رفضه التعايش مع محيطه ووسطه ، لأن الإنسان لا يلتقي بالآخرين إلا بوجهه، وأي تعبير حيوي يظهر على محياه أثناء الحديث أو التعامل مع الآخر، له دلالة معينة تعطيه فرادنية وهوية وذاتية شخصية، يستطيع بها أن يتحرر من التحول إلى مجرّد رقم أو عنصر أو نوع في جنس عامّ، ويبني بها علاقات مع غيره من موقع “أناه”، بملاقاتهم على المستوى الإنساني، و رفض ملاقاتهم في غيره من المستويات غير الأخلاقية وغير شرعية.

فما الذي يعنيه حجب ومنع الإنسان وجهه من الانكشاف؟ الجواب واضح وبين ولاشك في أنه راجع بالأساس للرغبة في التحرّر من أثقال المجتمع و”عقلانيته” الأخلاقية والسياسية وقوانينه ، كما يحدث في الاحتفالات التنكّرية والمهرجانات الكارنفالية التي تتم فيها لعبة تغطية الوجه والتقنّع إراديّا، حيث يشعر المرء المقنع فيها وكأنه تخلّى عن هويّته الأخلاقية والسياسية بتغطيته لوجهه، ونفس الشعور أيضا عند اللصوص الذين يحسون لحظة تقنعهم بأنهم قد تحرّروا من الخوف والرقيب وكلّ التكاليف والمسؤوليات، وذلك لارتباط التقنّع بالحرية واللامسؤولية والجريمة، حيث كان التحرّر اختياريّا وظرفيا ومتوافق عليه، أو قل إنّه كان استراحة سرعان ما يعود منها المشاركون لأوضاعهم ومراكزهم الاجتماعية والسياسية،

في ختام مقالتي هذه أؤكد أنه ليست لدي رغبة في أن أظهر في صورة المحارب للدين الإسلامي، كما يعلق بعضهم على مقالاتي، أو أسعى لتقويضه، أو تسجيل موقف لكي أحسب على هذا التيار أو ذاك، ولكني أشعر بالمرارة والألم عندما أرى هذه القسوة في التعاطي مع قضية المرأة عامة على أساس أنها ناقصة عقل، وما يترتب على ذلك من الإحباط وفقدان الثقة في إبداعاتها وقدراتها، والتعامل مع وجهها على اعتبار أنه عارا، أو شيء مخجل، أو عورة، فأنتفض وغيري من المسلمين المعتدلين، لنشجب هذا الزيف وهذا المنكر، بأقلامنا وألسنتنا وبالوسطية التي أمرنا بها الله ورسوله، كأمة وسطا، عسى أن تتوقف مهازل الفتوى المتخلفة عامة ومن بينها اعتبار الوجه عورة، وهو محط التكريم، بل هو أكرم بقعة في الإنسان في كل الشرائع والأعراف، حتى أن صفعة الوجه تعتبر إهانة عند كل شعوب الأرض بلا استثناء؛ لا يهمني في ذلك تطاول المتخلفين وسبهم أو لعنهم لي عبر الرسائل المجهولة أو المعلومة، ولا أهتم بويلات الثبور التي يتوعدني بها المتخلفون، لأني ككل مسلم صادق الإيمان بالله وحده، أرفض أن تتحول مسألة تغطية الوجه إلى معيار للفضيلة والرذيلة في مجتمعاتنا، لأن أخلاق الإنسان وتربيته وطريقة تعامله مع الآخرين هي المعيار الحقيقي في الحكم عليه، ولهذا كان على هؤلاء الذين يدعون أن في التبرقع تحرير للمرأة من الشر، وقبل كل شيء، أن يتحرروا هم من شياطين الشر التي تتراقص بدواخلهم، ويطهروا أنفسهم من المعاصي والشرور التي تفتك بمرتكبيها أكثر مما تفتك بضحاياهم، كالقتل والسرقة والحسد والغيرة والغرور والأنانية وشهادة الزور وحب الظهور والتكبر واحتقار الآخر وتكفيره والاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة والرشوة والوشاية بالأبرياء والكذب والرياء.

وكما هو ملاحظ، أن المجتمعات التي يتمّ فيها فرض تغطية الوجه أو البرقع على النساء، هي في غالبيتها تلك المجتمعات التي ليس للمرأة فيها أيّ انتماء للمجتمع، وليس لها فيه أية قيمة أو هوية سياسية، بل هي مجرّد “موضوع” للمتعة فقط

حميد طولست hamidost@hotmail.com

مدير جريدة”منتدى سايس” الورقية الجهوية الصادرة من فاس

رئيس نشر “منتدى سايس” الإليكترونية

رئيس نشر جريدة ” الأحداث العربية” الوطنية.

عضو مؤسس لجمعية المدونين المغاربة.

عضو المكتب التنفيذي لرابطة الصحافة الإلكترونية.

عضو المكتب التنفيدي للمنتدى المغربي لحقوق الإنسان لجهة فاس مكناس

عضو المكتب التنفيدي لـ “لمرصد الدولي للإعلام وحقوق الأنسان “

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أمن الدولة: محاكمة مجموعة هربت 250 مسدسا و40 بندقية للضفة الغربية

ميديا نيوز – موفق كمال استمعت محكمة أمن الدولة أمس لشهادة شهود النيابة، في قضية ...

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: