الرئيسية / WhatsApp / الملكية في المغرب: ثنائية الاستقرار والإصلاح

الملكية في المغرب: ثنائية الاستقرار والإصلاح

امينة الحجاجي

أمينة حجاجي – المملكه المغربيه

واكبَ سقوطُ الملكيات في العالم ذهابُ الاحتلال البريطاني والفرنسي ما يجعلنا نضع علامات استفهام كثيرة حول مصالح القوى الاستعمارية بزوال الملكيات، خصوصا إذا علمنا أن تغيير الملكيات في العالم العربي تسارعَ بانقلابات عسكرية أهمها انقلابات ليبيا والعراق وموريتانيا والجزائر ومصر. هذا وكانت قد تكونت ملكيات صغيرة وكبيرة بعد رحيل الاستعمار عن البلدان العربية مثل ملكية المملكة العربية السعودية، وبقيت الملكية بالمغرب ثابتة متجذرة في وجدان المغاربة رغم كل الحراك الذي عرفته المنطقة من بداية الخمسينيات إلى نهاية السبعينيات، إذ أن المغرب هو الدولة العربية الوحيدة بشمال إفريقيا التي نجت من الانقلابات كما هو معروف، لذلك لا غروَ في أن نرى المحيطَ السياسي والأمني وحتى الآن متأزما ومتدهورا في المنطقة المشرقية من الوطن العربي فضلا عن بعض مناطقه المغاربية إلى أن وصل الأمر إلى الجزائر، وبقي المغرب مستثنىً من كل تلك التَّأَزُّمات بسبب أن ملكيته شكلت عقدة تاريخية استعصت على الانقلابات وعلى القلاقل السياسية والأمنية بما في ذلك الإرهاب والتطرف.

من هنا فإننا نتساءل: هل هناك علاقةٌ ماَّ بين النظام الملكي بالمغرب بوصفه من أقدم ملكيات العالم وبين تجذُّرِه في وجدان الشعب المغربي؟ وما هي الوسائل التي يعمدُ إليها النظام الملكي المغربي لمحاربة التطرف وترسيخ وجوده في المنطقة؟ وهل الملكية هي وحدها الضامن للاستقرار، أم أنها تتواشج مع المجال الديني والحزبي والصوفي لتشكيل الاستثناء المغربي؟ وما وظيفة المصالحة في خلق فضاء تداولي صحي لتُجَدِّدَ الملكيةُ نفسَها وتواكبَ العصر؟ وما الإصلاحات الكبرى السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي انخرطت فيها الملكية إلى جانب المجتمع المدني والأحزاب السياسية؟

ومهما تكن الأجوبة على تلك التساؤلات، فهل يمكننا أن نتحدث عن ملكية ناجحة في استتباب الأمن ومحاربة التطرف والإرهاب وخلق الجو الخصب للازدهار الثقافي؟؟

على مر التاريخ تميز المغرب بتجذُّر مفهوم الملكية المرتكز إلى البيعة الشرعية، التي يتواشج فيها الجانب الديني مع الجانبين العلمي والشعبي.

لقد امتد تاريخ الملكية بالمغرب حوالي 1200 سنة، وبرغم تعاقب الدول، بقي المغرب يحكم مساحات شاسعة من شمال إفريقيا، ورغم محاولات الاستعمار الحثيثة لفصل الشعب عن الملكية، ظل هناك تلاحم كبير بين العرش والشعب، وحدوث ثورة الملك والشعب خير دليل على هذا التلاحم.

كما أن محاولات الاستعمار فصلَ شمال المغرب عن جنوبه لإضعاف الملكية ورمزيتها، باءت بالفشل، ناهيك عن الأطراف الأخرى التي سعت لقضم أطراف من المغرب، وإثارة القلاقل السياسية فيه، ففشلت في ذلك، بسبب تَحَلُّق الشعب حول الملكية تحلُّقا عاطفيا وعقلانيا في الآن نفسه، والمعروف عن الشعب المغربي إعماله للعقل في قراءة الأحداث، فكل المحاولات التي سعت لخلق الهوة بين الملك والشعب كانت تُجْهَضُ في حينها، وحتى المحاولات الحثيثة للتفرقة بين المغاربة وزرع العنصرية في صفوفهم لم تنجح.

فالملكية بالمغرب هي عامل تجميع وتوحيد للتيارات المختلفة، خصوصا أن المغرب يتميز بإثنيات متعددة، لذلك فقد كانت أهم خطوة في اتجاه تجذير العلاقة بين الملكية والشعب، هي تسييج الحقل الديني لحماية المغرب من التيارات المتطرفة، خصوصا تلك القادمة من الشرق، وذلك باعتمادها على اعتدال المذهب المالكي ووسطيته، فالاعتدال الديني والتصوف والطرق الصوفية، كانت على الدوام صمامَ أمان اختارته الملكية لمحق أيِّ محاولة للتطرف المذهبي، ولتغذية الاتجاه الروحي للطبقات الشعبية.

فالملكية بالمغرب تصرُّ على الثالوث المقدس: “عقيدة الأشعري، وفقه مالك، وتصوف الجُنَيْد”، لذلك ما فتئ “الملك” الذي توافق المغاربة على اعتباره “أمير المؤمنين”، يردِّد في خطاباته هذا الثالوث المقدس، الذي يجعل من المغرب قطب الرحى بشمال إفريقيا، وفي غرب إفريقيا، في عمليات محاربة التطرف، وخلق مرشدين دينين من جهة، واستمرار البيعة الرمزية للملكية بالمغرب، بوصفها الراعية للإسلام المعتدل من لدن الزوايا بالسنغال، ومالي، وسيراليون، وإفريقيا الوسطى وغيرها.

ولا يفوتنا أن نشير إلى فتنة “بو حمارة” التي استمرت لسنوات، وهي الفتنة التي استطاعت أن توحِّدَ بين صفوف العلماء والملكية أكثر فأكثر.

ورغم كل التهديدات الخارجية والداخلية، فقد كانت الملكية تخرجَ سالمة وأكثر قوة مع كل مشكلة تواجهها أو تهدِّدُ وجودها، كما استطاعت إرساء مصالحة قوية مع المعارضة إلى أن وصلت هذه المعارضة للحكم في 1997 و 2011.

وتعتبر الخطب الملكية عنوانا للتدبير الإستراتيجي المُحكم للملكية المغربية، فالخطاب الملكي غالبا ما يربط بين الماضي والحاضر، ربطا بالغ الأهمية تتدفق بموجبه الهوية ويتدفق التاريخ في ذاكرة الشعب، ليكون استحضار الماضي في التعامل مع واقع الحاضر، هو السبيل نحو المستقبل المنشود.

ولا يفوتنا استحضارها الدائم – أي استحضار الخطابات الملكية الدائم – للقيم وللمبادئ الأخلاقية التي نهلت منها الأجيال السابقة، وأيضا لا يفوت الملك في المغرب التذكير الدائم بالتاريخ وبروابط الأخوة التي تجمع الشعوب، لبث الروح التضامنية وإحيائها بين الشعوب العربية والمغاربية وكل شعوب العالم.

ومن الركائز الهامة للثبات واستتباب الأمن دروس الملك في خطاباته المهتمة بقضايا التطرف والتعاون الدولي في مجابهته، وإدانته الشديدة للإرهاب بكلِّ أشكاله.

كما تهتم الملكية في المغرب بالتنمية البشرية وبالمجتمع المدني، وبخلقها لجهوية مُوَسَّعَة تمهيدا لطفرة اقتصادية وإدارية، مع التركيز على البعد الإنساني الذي يتميز به العاهل المغربي عادة، والذي تجلى بوضوح في عهد الملك الحالي في مجموعة من القوانين، أهمها: منح الجنسية المغربية لمن لديه أم مغربية، وتسوية وضع المهاجرين الأفارقة، واستقطاب المهاجرين السوريين وغيرهم ممن يطلب اللجوء السياسي.

تؤمن الملكية بالمصالحة وبضرورة تجنُّب العنف، وبالانتقال الديمقراطي، مع وجود أجهزة مخابرات قوية صنفت من بين الأقوى في العالم، واستطاعت فرض احترامها على كامل أوربا بعد الأحداث الأخيرة في فرنسا وبلجيكا بسبب ما قدمته للمعنيين في أوربا من معلومات استخباراتية ساعدتهم وخففت الكثير من المآسي.

وقد انتبهت الملكية في المغرب إلى تراجعها عن أداء دورها الخارجي لسنوات، لتنفتح مؤخرا وبقوة على العالم، مع وجود احترام كبير لها من قبل الدول الكبرى، وقد تجلى هذا بالأساس في الزيارات التاريخية للملك المغربي إلى فرنسا والهند والصين.

فهذا الجو الذي تهيئه المؤسسة الملكية في البلاد ، هو الذي يخلق الزخم والتطور الضروري لإثراء الحقل الثقافي في المملكة المغربية، إذ أن نجاح الإنسان ثقافة وفلسفة رهينٌ بوجود عنصر الاختمار الذي هو نتيجة حتمية للاستقرار السياسي والديني في أيّ بلد، فالملكية في المغرب عاملٌ أساسي لتحقيق الأمن ومحاربة التطرف وبالتالي فهي سبب أساسٌ في تحقيق الرقي ثقافي وظهور الاختمار الفلسفي.

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصفدي يبحث عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب بشأن الأقصى

 واصلت المملكة جهودها المكثفة التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني لوقف التصعيد في القدس والحؤول ...

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: